لم تعد القضايا الغامضة والجرائم التي شغلت الرأي العام المصري حبيسة ملفات المحاكم وصفحات الحوادث، بل انتقلت إلى السينما والتليفزيون والمسرح، بعدما رأى صناع الفن في بعض الوقائع مادة درامية تتيح طرح أسئلة تتجاوز تفاصيل الجريمة.
ومع عرض حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، عادت قضية بني مزار التي وقعت عام 2005 إلى دائرة الاهتمام الفني، في عمل يتناولها من منظور درامي ويعيد فتح النقاش حول العلاقة بين الوقائع الحقيقية والمعالجة الفنية.
وتعرض الحكاية القضية من خلال بناء درامي لا يقدّمها كتسجيل حرفي لكل تفاصيلها، مع طرح الفكرة بأن بعض القضايا لا تنتهي بانتهاء التحقيقات أو صدور الأحكام، بل تظل حاضرة بما تثيره من تساؤلات وتفسيرات.
من «سفاح الجيزة» إلى قضايا انتقلت للذاكرة الشعبية
ومن أبرز الأعمال الحديثة التي استندت إلى وقائع حقيقية مسلسل «سفاح الجيزة»، الذي تناول قصة قذافي فراج المرتبطة بسلسلة جرائم قتل كشفت عنها التحقيقات. ورغم الاستناد إلى أحداث واقعية، لم يُقدَّم العمل كتطابق حرفي مع تفاصيل القضية، بل اتخذ من الوقائع نقطة انطلاق لمعالجة درامية أضيفت إليها شخصيات وتفاصيل لخدمة البناء الدرامي.
كما تظل قصة ريا وسكينة واحدة من أشهر القضايا التي انتقلت من صفحات الحوادث إلى المسرح والسينما والتليفزيون، حيث تعددت الأعمال التي تناولتها على مدار عقود وبزوايا ورؤى مختلفة.
ويُربط استمرار حضور هذه القصة في الفن بطبيعتها التي جمعت بين الجرائم المتسلسلة والغموض والتحقيقات، إضافة إلى الشخصيات التي أصبحت لاحقا جزءا من الذاكرة الشعبية المصرية.
اتجاه لتقديم حكايات مستوحاة من قضايا حقيقية
وفي السنوات الأخيرة، ظهر اتجاه أكثر وضوحا نحو تقديم حكايات درامية مستوحاة من قضايا حقيقية، ومن بينها مسلسل «ساعته وتاريخه»، الذي جاء في 26 حلقة منفصلة. وتناول كل حلقة حكاية درامية مستوحاة من وقائع وقضايا حقيقية بالاستناد إلى كتاب «يوميات قاض وحكايات قضائية» للمستشار بهاء المري.
وسلط المسلسل الضوء على عدد من القضايا والظواهر التي تمس المجتمع، بما في ذلك مخاطر الدارك ويب والابتزاز الإلكتروني والتنقيب غير الشرعي عن الآثار والتحرش الجنسي والإدمان والعنف الأسري، عبر قصص تبرز تأثير هذه المشكلات في حياة الأفراد والأسر.
ووفق المادة، حقق «ساعته وتاريخه» تفاعلا واسعا لدى الجمهور وتصـدّر مؤشرات البحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحرك «جوجل» خلال فترة عرضه.
السينما أيضا تستلهم جرائم أثارت اهتمام الرأي العام
وامتد حضور الجرائم التي أثارت اهتمام الرأي العام إلى السينما عبر فيلم «سفاح التجمع»، الذي قدم معالجة درامية لقصة قاتل يدخل في سلسلة من الجرائم ضد عدد من النساء.
وتدور أحداث الفيلم حول شخصية «كريم»، الذي ينشأ في ظروف تدفعه إلى البحث عن ذاته، قبل أن تتطور حياته وعلاقاته وصولا إلى ارتكاب سلسلة من جرائم القتل، في معالجة تركز على الجوانب النفسية والإنسانية للشخصية وتتضمن مفاهيم مثل الخوف والهوس والانهيار.
وتشير المادة إلى أن استمرار هذا النوع من الأعمال لا يرتبط بالجريمة وحدها، بل بما تتركه بعض القضايا من أسئلة مفتوحة وروايات متباينة وتفاصيل يصعب نسيانها. كما تطرح إشكالية المسافة بين التوثيق والدراما خصوصا عندما تتعلق الوقائع بأشخاص حقيقيين وجرائم وضحايا وعائلات لا تزال قصصهم حاضرة في الذاكرة.
وفي النهاية، تؤكد المادة أن الأعمال الفنية التي تتناول القضايا الغامضة لا تقدم بالضرورة الإجابة النهائية عن كل ما حدث، لكنها تعيد فتح الملفات التي أثارت اهتمام المجتمع وتمنحها حياة جديدة على الشاشة، لتظل المساحة مفتوحة بين الحقيقة كما وقعت والدراما كما اختار الفن أن يرويها.
