خبراء: دول الخليج تحوّل الالتزامات المناخية إلى فرص استثمارية عبر التمويل المستدام

نبذة عن المقال
تقول د. ييلينا يانيوسيفيتش إن التزامات الحياد الصفري في الخليج أعادت تشكيل توظيف رأس المال، مع توسع التمويل المرتبط بالاستدامة وإصدار صكوك وسندات خضراء.

أكدت د. ييلينا يانيوسيفيتش، الرئيسة العالمية لقسم المحاسبة والاقتصاد والمالية في جامعة هيريوت-وات دبى، أن التزامات دول الخليج المناخية خلال السنوات الأخيرة بدأت تتحول إلى استراتيجية اقتصادية تدعم قرارات الاستثمار وتؤثر في الأسواق المالية والسياسات الصناعية.

وقالت إن التركيز لم يعد مقتصرًا على خفض الانبعاثات والتوسع في الطاقة المتجددة، بل بات يمتد إلى طريقة إعادة توجيه رأس المال وتوظيفه لدعم التحول المناخي.

وأوضحت أن الاستدامة لم تعد تُعامل كمبادرة مسؤولية مؤسسية أو التزام تنظيمي فقط، بل أصبحت عاملًا يؤثر في القرارات الاستثمارية، مشيرة إلى أن قرارات الاستثمار تتأثر بشكل متزايد بعوامل مثل التغير المناخي وأمن الموارد والتحولات التكنولوجية وعدم اليقين الجيوسياسي.

وبحسب حديثها، فإن التمويل المستدام انتقل من كونه جزءًا هامشيًا في الأسواق المالية إلى عنصر رئيسي فيها. وذكرت أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن تتجاوز الاستثمارات العالمية السنوية في الطاقة النظيفة حاجز تريليوني دولار أمريكي بحلول عام 2026، بينما تشير تقديرات “بلومبرغ إن إي إف” إلى أن تحقيق الطموحات العالمية للحياد الصفري للانبعاثات يتطلب استثمارات سنوية تفوق 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030.

ورأت يانيوسيفيتش أن منطقة الخليج تمتلك مقومات تتيح الاستفادة من هذا التحول، لافتة إلى أن دول الخليج تمتلك ميزانيات سيادية قوية وصناديق ثروة سيادية ذات أهمية عالمية وقطاعات مصرفية متطورة واستراتيجيات تنمية وطنية طموحة، ما يساعد الحكومات على الاستثمار على نطاق واسع وجذب رؤوس الأموال الخاصة الدولية.

الإمارات والسعودية كنماذج لدمج المناخ في خطط التنمية

وأشارت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها مثالًا بارزًا، قائلة إن المبادرة الاستراتيجية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، المدعومة بالزخم الناتج عن مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28)، ساهمت في تسريع الاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المستدامة والهيدروجين والتصنيع المتقدم وتقنيات المناخ.

وأضافت أن مؤسسات مثل مصدر أصبحت مستثمرًا عالميًا في الطاقة النظيفة، بينما تواصل المراكز المالية مثل سوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي تعزيز الأطر التنظيمية التي تدعم التمويل المستدام والاستثمار الأخضر والابتكار المالي.

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، قالت إن الاستراتيجية المرتبطة برؤية 2030 والمبادرة الخضراء السعودية تعمل على دمج الاستدامة في التنويع الاقتصادي بدلًا من اعتبارها جانبًا منفصلًا، مشيرة إلى استثمارات في البحر الأحمر العالمي والطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين والتنمية الصناعية المتقدمة.

البنوك وأسواق رأس المال: تمويل موجّه ومعايير حوكمة

ولفتت يانيوسيفيتش إلى أن الاستدامة لم تعد محركًا للاستثمار عبر الإنفاق العام فقط، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في توجيه استثمارات القطاع الخاص وتحديد أولويات تخصيص رأس المال.

وقالت إن البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على توسيع التمويل المرتبط بالاستدامة عبر زيادة الإقراض الموجّه للمشاريع الخضراء ودمج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية ضمن عمليات تقييم المخاطر. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى نمو إصدار السندات والصكوك الخضراء وسندات الاستدامة والأدوات المالية المرتبطة بأهداف الاستدامة.

وأضافت أن المستثمرين يولون اهتمامًا متزايدًا للمخاطر المناخية عند بناء محافظهم الاستثمارية، بينما تدرك مجالس إدارات الشركات أن أداء الاستدامة يؤثر في القدرة على الوصول إلى التمويل وتكلفة الاقتراض وتقييم الشركات وقيمتها السوقية.

التمويل المستدام يتحول من قطاع متخصص إلى إدارة مخاطر

وقالت إن التمويل المستدام تاريخيًا كان يُنظر إليه غالبًا كقطاع متخصص يرتبط بالاستثمار الأخلاقي، لكنه اليوم أصبح جزءًا أساسيًا من إدارة المخاطر الحديثة. وأوضحت أن مخاطر المناخ تتزايد بوصفها مخاطر ائتمانية تؤثر على تقييمات الأصول وأسواق التأمين، كما تؤثر مخاطر التحول على استراتيجية الشركات وقراراتها الاستثمارية.

وأضافت أن أمن المياه وفقدان التنوع البيولوجي ومرونة سلاسل التوريد باتت من الاعتبارات الجوهرية للمستثمرين على المدى الطويل.

تقاطع التمويل المستدام مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

وتوقعت يانيوسيفيتش أن نقطة التقاء التمويل المستدام بالتكنولوجيا تمثل ميزة تنافسية مستقبلًا، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل تعامل المؤسسات المالية مع المخاطر المناخية عبر تحليلها وتقييم مخاطر التحول ومتابعة الأداء وفق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية واتخاذ قرارات تخصيص رأس المال.

كما قالت إن تقنيات التحليل المتقدم تساعد البنوك والمستثمرين على معالجة كميات كبيرة من البيانات البيئية والمالية بكفاءة أعلى بما يدعم تقييم الجدارة الائتمانية ويعزز دقة وشفافية تقارير الاستدامة.

الاستدامة كعامل مكانة اقتصادية لا مجرد امتثال

وأكدت أن أهم درس يتمثل في تجاوز الاستدامة مفهوم السياسة البيئية لتصبح عاملًا حاسمًا في القدرة التنافسية الوطنية. وأضافت أن الدول القادرة على حشد رؤوس الأموال بكفاءة وتطوير أطر تنظيمية موثوقة وتعزيز الابتكار المالي وخلق فرص استثمارية ستنافس ليس فقط على تدفقات الاستثمار، بل أيضًا على المواهب والتكنولوجيا ومقرات الشركات والنفوذ العالمي.

وختمت بأن التزامات دول الخليج المناخية لا تقتصر على إظهار الطموح البيئي، بل تساهم في إعادة تشكيل منظومات الاستثمار وتعزيز الأسواق المالية وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، معتبرة أن السؤال الأهم يتمثل في أي المراكز المالية ستقود هذا التحول.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#COP28#الإمارات العربية المتحدة#التغير المناخي#التمويل المستدام#السعودية#دول الخليج