تستحوذ عمليات التوصيل في مرحلة «الميل الأخير» على 53% من إجمالي تكاليف الشحن عالمياً، وفق بيانات معهد «كابجيميني» للأبحاث، مقارنة بـ41% في عام 2018. ويؤكد تقرير للدكتور ليجو جون، أستاذ مساعد في الخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل الإمداد بجامعة هيريوت-وات في دبي، أن حساسية هذه المرحلة تظهر بشكل أكبر في دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً مع كثافة أسواق دبي والرياض في «التجارة السريعة» (Q-commerce).
ويشير التقرير إلى أن التوصيل خلال 10 إلى 20 دقيقة بات معياراً أساسياً يتوقعه المستهلك في المنطقة. وفي هذا السياق، يعرّف التقرير الشحن الجماعي (Crowd shipping) بأنه الاستعانة بسعاة غير متفرغين يعملون عند الطلب لإتمام عمليات التوصيل، باعتباره نموذجاً مالياً يهدف إلى تحويل تحدي التكاليف الثابتة إلى تكاليف متغيرة.
تحويل التكاليف الثابتة إلى متغيرة خلال فترات الذروة
يوضح التقرير أن أسطول التوصيل المخصص عادة ما يمثل تكلفة ثابتة تشمل المركبات والتأمين وعقود الوقود ورواتب السائقين، وغالباً ما يتم تصميمه لاستيعاب فترات الذروة، ما يؤدي إلى بقاء جزء من الطاقة التشغيلية غير مستغل خلال بقية العام. ويقابل ذلك نموذج التوصيل عبر شبكة من السائقين المستقلين، حيث تُستخدم خدمات التوصيل عند الحاجة ويُدفع مقابلها وفق حجم الطلب الفعلي.
ويوضح التقرير أن هذا النموذج يبرز خلال فترات الذروة مثل أمسيات شهر رمضان وعطلات نهاية الأسبوع في دول الخليج، وكذلك الجمعة السوداء في الأسواق الغربية، لأنه يمكّن الشركات من التعامل مع أحجام طلبات تفوق مستوياتها المعتادة بأضعاف دون تحمل تكلفة الاحتفاظ بطاقة تشغيلية طوال العام. كما يلفت إلى أنه يمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً في قطاع الأغذية والمشروبات والبقالة، إمكانية الاستفادة من بنية تحتية مرنة للتوصيل دون تكاليف امتلاك وتشغيل أسطول خاص.
منصات التخصيص والتسعير الديناميكي تدعم سرعة «الميل الأخير»
يشير التقرير إلى أن التطور الأبرز لا يقتصر على فكرة الشحن الجماعي نفسها، بل يرتبط بالبنية التحتية التقنية التي تدعمها. ووفقاً للتقرير، تعتمد منصات التوصيل والنقل الإقليمية مثل «كريم» و«طلبات» على أنظمة تخصيص ديناميكية تعمل في الوقت الفعلي لمطابقة كل طلب مع السائق الأنسب بناءً على عوامل تشمل القرب الجغرافي وحالة الطلب والوقت المتوقع لإتمام عملية التوصيل.
ويضيف التقرير أن المقابل المالي لكل طلب يمكن تعديله ديناميكياً عند حدوث نقص مؤقت في أعداد السائقين ضمن منطقة معينة، بما يساعد على موازنة العرض والطلب. ويصف التقرير هذا النموذج بأنه يعمل كسوق فورية لخدمات «الميل الأخير» تتجدد باستمرار وفق حركة الطلب وتوافر السائقين، مؤكداً أن غياب هذه البنية التقنية وآليات المطابقة والتسعير الديناميكي يقلل من كفاءة النموذج وقدرته على توفير المرونة مقارنةً بنماذج التوصيل التقليدية.
هيكلة تنظيمية متعددة المستويات داخل دول الخليج
وبحسب التقرير، يتميز تطبيق النموذج في دول الخليج بهيكل تنظيمي أكثر من كونه مجرد تطبيق تقني. ويذكر التقرير أنه نادراً ما تتعامل المنصات هنا مع السائقين بشكل مباشر، إذ تُقدَّم خدمات التوصيل عبر شركات لوجستية مرخصة تابعة لأطراف ثالثة تتولى التوظيف وإجراءات التأشيرات وضمان مطابقة المركبات للمواصفات وفق أطر هيئة الطرق والمواصلات ووزارة الموارد البشرية والتوطين.
ويؤكد التقرير أن هذا الهيكل متعدد المستويات يمنح المشغلين مرونة للاستجابة لتقلبات الطلب مع الحفاظ على علاقة عمل ضمن إطار تعاقدي وتجاري منظم. كما يستشهد بأن دولة الإمارات خفّضت تكاليف تصاريح العمل الحر بشكل ملحوظ لتوسيع نطاق الاستفادة منه، مع تطبيق أطر إلزامية للتأمين ضد التعطل عن العمل وإصابات العمل بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 13 لسنة 2022 في القطاع الخاص.
النموذج الهجين يحكم اختيار طريقة التوصيل
يرى التقرير أن الوصف الأدق لواقع قطاع النقل هو «النموذج الهجين»، وليس المفاضلة بين «التعهيد الجماعي والأسطول». ووفقاً له، تُصنّف الشركات خدماتها وفق مستويات المخاطر والقيمة: فشحنات الأدوية الحساسة لدرجات الحرارة ما زالت تتطلب سائقاً مخصصاً يتحمل مسؤولية النقل، بينما يمكن إسناد طلبات البقالة الروتينية إلى سائقين من أطراف ثالثة عبر نموذج التعهيد الجماعي.
وبالتالي، لا يصبح السؤال أمام المشغلين هو «هل ينبغي الاعتماد على التعهيد الجماعي؟»، بل «أي وحدات تخزين وأي مسارات وأي مستويات من المخاطر هي الأنسب لهذا النموذج؟».
تحديات مراقبة الجودة و«المتر الأخير»
يشير التقرير إلى تحديين هيكليين يواجهان نموذج التوصيل الجماعي أينما طُبّق: الأول ضمان مراقبة الجودة عبر شبكة واسعة وموزعة من السائقين بما يجعل تحديد المسؤولية عن حالات الفقد أو التلف أكثر تعقيداً مقارنةً بأسطول تابع للشركة. أما الثاني فهو تحدّي «المتر الأخير»، أي المسافة بين المركبة المتوقفة ونقطة التسليم النهائية، مؤكداً أن خوارزميات المطابقة وحدها لا تستطيع حل هذه المشكلة حتى الآن.
ويضيف التقرير أن استثمار دول الخليج في المدن الذكية يمنح ميزة هيكلية عبر دمج بيانات هيئة الطرق والمواصلات في دبي مع منصات توجيه عمليات التوصيل، إلى جانب جهود تنظيم الوصول إلى الأرصفة والمباني، باعتباره نموذجاً للتكامل بين القطاعين العام والخاص.
ويخلص التقرير إلى أن القطاع يتجه لاعتماد الشحن الجماعي كبنية تحتية مرنة ومجزأة ومنظمة بدل اعتباره بديلاً شاملاً لأساطيل النقل المخصصة، مع تطبيقه بشكل مدروس وفق أنواع الطلبات ومسارات التوصيل ومستويات المخاطر. كما يؤكد أن ميزة دول مجلس التعاون الخليجي تتمثل في تطوير هذا النموذج عبر هيكل عمالي منظم يعتمد على شركات الخدمات اللوجستية الخارجية (3PL) المرخصة، إلى جانب منظومة تأمينية وطنية قائمة وفعالة.
