حذرت الدكتورة سوسن فايد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، من أن المبالغة في المقارنة الاجتماعية عبر العالم الافتراضي تمثل أحد أبرز التحديات التي تهدد السلم النفسي والمجتمعي.
وقالت فايد إن المنصات الرقمية تعتمد بطبيعتها على تسويق “اللقطات الأفضل” وتجاهل الأزمات والتعثرات اليومية التي يمر بها الناس، ما يورث المتابعين انطباعًا خادعًا بأن الجميع يعيش في رغد ونجاح دائم، بينما يعاني البعض وحده من العثرات وضيق ذات اليد.
وأضافت أن هذا الاختلال السلوكي يتسبب في تآكل المنظومة القيمية القائمة على القناعة والرضا، إذ يتحول مفهوم النجاح من كونه مرتبطًا بتقدم الفرد وتطوره الذاتي إلى كونه شكليًا مرتبطًا بتفوقه الظاهري في امتلاك السلع الاستهلاكية أو نمط السفر أو المظاهر الخارجية، وهو ما يضع الأسر والشباب تحت أعباء مالية ونفسية تتجاوز قدراتهم.
وأوضحت فايد أن آثار الانغماس في المقارنات لا تقف عند حدود الضيق المؤقت، بل تمتد لتحدث “شرخًا” في بناء الشخصية؛ مشيرة إلى أن متابعة قصص نجاح الآخرين المبتسرة تولد لدى الشباب والفتيات شعورًا بالدونية وحالة من “العجز المكتسب”، حيث يستشعر الفرد أن جهده لن يوصله إلى المستويات المعروضة أمامه، بما يدفع نحو الانطواء أو الاستسلام للاكتئاب المزمن.
وحذرت أستاذ علم الاجتماع من الأضرار المجتمعية الناتجة عن تغلغل الظاهرة داخل الأسرة، موضحة أنها تنعكس على العلاقات الزوجية عبر مطالبات غير واقعية بمحاكاة حياة المشاهير، وعلى الأبناء من خلال ضغطهم لتحقيق تفوق خيالي يتناسب مع تطلعات الوالدين الاستعراضية، لتتحول البيئة المنزلية من مصدر للأمان والدعم إلى مساحة مشحونة بالتنافس والتوتر المستمر.
خطة مواجهة “متلازمة المقارنة”
وشددت الدكتورة سوسن فايد على أن مواجهة جفاف القناعة وتفكيك “متلازمة المقارنة” تتطلب إحياء الوعي الثقافي والمجتمعي والعودة إلى تقدير قيمة الواقع والعمل الجاد.
ولفتت إلى أن الخطة تشمل ممارسة “الترشيد الرقمي” للعين والعقل عبر ترشيد متابعة الحسابات الاستعراضية التي تغذي مشاعر التقصير، والتركيز بدلًا من ذلك على المحتويات المعرفية والملهمة التي تبني المهارات وتثري الفكر.
كما أكدت أهمية تدريب النفس على مهارة “الامتنان التلقائي” لما هو متاح بين يدي الفرد، مع التركيز على المقارنة الفردية المعيارية فقط أي مقارنة الإنسان لنفسه في الحاضر بوضعه في الماضي لقياس مدى نموه وتطوره الحقيقي.
واختتمت بالإشارة إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يملكه الآخرون أو بما يُعرض على الشاشات، بل بما يحققه من استقرار نفسي وتماسك أسري وأثر طيب في مجتمعه بعيدًا عن صخب المظاهر وتزيف الشكليات.
