لم تكن علاقة الكاتب بمحمد منير ثابتة على حال واحدة، بل تطورت مع كل مرحلة عمرية مرّ بها، مع بقاء حضوره حاضرًا في حياته منذ طفولته في تسعينيات القرن الماضي.
يقول إن صوته كان حاضرًا في محيطه باعتباره واحدًا من أبرز نجوم الغناء الذين بدأوا رحلتهم الفنية في نهاية السبعينيات، ونجحوا في تكوين عالم موسيقي يراه صعب الخلط مع أي تجربة أخرى.
ويضيف أن أغنيات منير لم تكن مجرد سماع عابر لأغنيات مطرب شهير، بل تحولت تدريجيًا إلى علاقة شخصية مع صوته وأعماله، تتجدد ملامحها كلما تغيرت حياته.
في عام 2000، انتقلت العلاقة إلى مرحلة مختلفة مع ألبوم «في عشق البنات»، الذي يصفه بأنه أول ألبوم استمع إليه كاملًا واهتم بتفاصيل أغنياته. ويذكر أن الألبوم ضم أغنيات ذات طابع فلكلوري مثل «يا طير يا طاير» و«عشق البنات»، إلى جانب أغنيات مثل «خايف» و«هون يا ليل» و«دور على الناس»، كما تضمن «أنا بعشق البحر» التي سبق أن غنتها نجاة الصغيرة.
ويشير إلى أن الوصول إلى الألبوم لم يكن سهلًا بالنسبة إلى طفلة في ذلك العمر، إذ كانت أسعار شرائط الكاسيت تتراوح بين ثلاثة وخمسة جنيهات، مقارنة بمصروف يومي كان بين «الريال» (20 قرشًا) و«الربع جنيه» (25 قرشًا). لذلك وجد حلًا بشراء شريط كاسيت فارغ لا يتجاوز نصف جنيه ثم تسجيل الأغنيات التي يريدها.
ويتابع أن علاقته بألبومات منير التالية استمرت، بدءًا من «أنا قلبي مساكن شعبية» و«أحمر شفايف» وصولًا إلى «امبارح كان عمري عشرين» و«طعم البيوت»، معتبرًا أن كل ألبوم كان يفتح له جانبًا جديدًا من تجربة منير.
ويرى الكاتب أن منير بالنسبة إليه لم يكن مجرد مطرب يقدم أغنيات رومانسية أو حزينة، بل يمنحه حالة فنية كاملة تتجاور فيها المشاعر الإنسانية مع الموسيقى المتجددة، مع مكانة خاصة للفلكلور النوبي.
وبحسب ما يورده، ساعدته أغنيات منير على اكتشاف أبواب ثقافية مختلفة تنتمي إلى الوطن نفسه، وأن هذا التعرف جاء تلقائيًا عبر الموسيقى التي جعلت الاختلاف مصدر دهشة ومتعة بدل أن يكون حاجزًا.
مع خروجه إلى سوق العمل، بدأت مرحلة جديدة في علاقته بمنير؛ إذ أصبح صوته رفيقًا في رحلاته اليومية من البيت إلى العمل والعودة، خصوصًا بعد انتشار ملفات الموسيقى بصيغة «إم بي ثري». ويذكر أنه كان يستمع إليه عبر سماعات الأذن في المترو وأثناء السير في الشوارع.
لكن الكاتب يقول إن المفارقة كانت أن أغنيات منير القديمة ظلت الأكثر حضورًا حتى بعد صدور ألبوم «طعم البيوت» عام 2008 وتراجع وتيرة إصداراته الغنائية. ويذكر أنه عاد باستمرار إلى أغنيات مثل «شجر الليمون» و«شبابيك» و«بنتولد»، ويربط ذلك بأنها تناسب مرحلته العمرية الجديدة وتكشف جانبًا أكثر التصاقًا بروح الشباب والتجريب الموسيقي.
كما يوضح أنه بدأ يلتفت بصورة أكبر إلى تجارب منير وتعاوناته الموسيقية، ومنها أعمال ارتبطت بعالم الموسيقار يحيى خليل والموسيقار هاني شنودة، وبالروح التي سعت إلى تجديد الموسيقى المصرية وتوسيع مساحاتها التعبيرية.
ويؤكد الكاتب أن حضوره لم يعد مرتبطًا فقط بما يقدمه منير في اللحظة الراهنة، بل بما تتركه أغنياته من أثر يمكن أن يتجدد مع كل مرحلة. ويضيف أن الأغنية التي يسمعها في طفولته قد لا تمنحه المعنى نفسه حين يعود إليها في شبابه، وأن صوت المطرب قد يكشف له جوانب لم يكن ينتبه إليها سابقًا.
ويشير إلى أنه لم يعد ينظر إلى محمد منير باعتباره مطربًا ارتبط بمرحلة عمرية وانتهى الأمر، لأن علاقته بأغنياته تغيرت وتبدلت الأغنيات التي يعود إليها، واختلفت الظروف التي يستمع فيها إليه. ومع ذلك ظل حاضرًا لديه عبر شريط كاسيت يسعى لامتلاكه، أو عبر سماعات الأذن في المترو، أو عبر أغنية تستعيدها صداقة قديمة أو لحظة حب.
ويختتم بالقول إن عيد ميلاده لا يعني استعادة مسيرة مطرب فقط، بل استعادة جانب من حياته هو وحياة جيل وجد في أغانيه مساحة للتعبير عن مشاعره واكتشاف الموسيقى والانفتاح على عوالم ثقافية متعددة. ويؤكد أن بعض الأصوات لا تبقى معنا لأنها لا تتغير، بل لأنها تتغير معنا وتكتسب مع كل مرحلة معنى جديدًا.
