تفقد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، بدء المرحلة الأولى من أعمال ترميم وإعادة تأهيل سوق الخيامية بقصبة رضوان بك في حي وسط القاهرة، في مشروع يهدف إلى دعم الأنشطة التجارية والحرفية القائمة بالسوق والحفاظ على التراث المعماري والحرف التقليدية بالقاهرة التاريخية.
ويُنفذ المشروع بتمويل مشترك من مؤسسة أغاخان للخدمات الثقافية – مصر، ومؤسسة «أليف» (ALIPH)، بتكلفة تتجاوز 100 مليون جنيه، وتستغرق الأعمال 8 أشهر، على أن تنتهي في مايو 2027، بالتعاون مع محافظة القاهرة ووزارتي الآثار والأوقاف.
ويستهدف المشروع صون القيمة المعمارية والتاريخية للسوق، والحفاظ على أحد أبرز مراكز الحرف اليدوية التراثية في القاهرة، وإحياء دوره الثقافي والاقتصادي، وضمان استمرار هذا الموروث للأجيال القادمة.
ورافق محافظ القاهرة خلال الجولة الدكتور أحمد أنور عطية العدل، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية، وشريف عريان، المدير التنفيذي لمؤسسة أغاخان للخدمات الثقافية – مصر، واللواء أحمد حلمي، مدير إدارة العلاقات الحكومية بالمؤسسة، ووليد حجازي، مدير المشروعات وإدارة الأصول بمؤسسة أغاخان، وأشرف بطرس، استشاري ترميم قصبة رضوان والخيامية، وعدد من قيادات المحافظة.
إحياء التراث يدعم التنمية وينشط السياحة الثقافية
وأكد محافظ القاهرة أن المشروع يعكس أهمية التعامل مع التراث باعتباره رصيدًا حيًا يسهم في التنمية، إذ يجمع بين صيانة المباني التاريخية وتحسين البيئة العمرانية ودعم الأنشطة التقليدية، بما يعزز ارتباط السكان بموروثهم الثقافي ويسهم في تنشيط السياحة الثقافية بمنطقة الدرب الأحمر.
وأضاف أن أعمال تطوير منطقة الخيامية تأتي ضمن الجهود الرامية إلى الحفاظ على الهوية البصرية للقاهرة التاريخية، وتحقيق التوازن بين صون أصالة المواقع التراثية ومتطلبات الحياة المعاصرة، بما يعزز مكانة السوق وجهةً للحرف اليدوية والتراث الشعبي، ويضمن استمرار ألوان الخيامية وزخارفها جزءًا من شخصية القاهرة وذاكرتها التاريخية.
وأشار المحافظ إلى التنسيق المسبق مع التجار وأصحاب المحال بالمنطقة، مراعاةً لاستمرار النشاط التجاري وعدم غلق المحال خلال تنفيذ أعمال الترميم، بما يحافظ على مصالح التجار ومصادر أرزاقهم، بالتوازي مع صون القيمة التاريخية والأثرية للمكان.
وثمن محافظ القاهرة دور مؤسسة أغاخان في مشاركة الدولة المصرية جهود الحفاظ على التراث وإحيائه، مشيرًا إلى أهمية التعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بصون التراث لتنفيذ مشروعات تسهم في إحياء المناطق التاريخية مع الحفاظ على طبيعتها وأنشطتها التقليدية.
تطوير المحال والحوائط والأرضيات وترميم العناصر الخشبية
وتشمل المرحلة الأولى من المشروع رفع كفاءة المحال التجارية والحوائط والأرضيات، وتحسين شبكة الإضاءة، وترميم العناصر الخشبية والمشربيات، إلى جانب رفع كفاءة السقف الخشبي للسوق، الذي يُعد من أبرز عناصره المعمارية المميزة.
وتتميز قصبة رضوان بك بكونها من الأسواق التاريخية القليلة التي لا تزال تحتفظ بسقفها الخشبي، ما يمنح أعمال الترميم أهمية خاصة في الحفاظ على ملامحها المعمارية الأصيلة.
قصبة رضوان بك.. سوق تاريخي منذ القرن السابع عشر
يقع سوق الخيامية خارج باب زويلة التاريخي، خلف جامع الصالح طلائع، ويطل على شارع الخيامية بمنطقة الدرب الأحمر، التي ارتبطت تاريخيًا بصناعة الخيام وزخرفتها وبيعها، وتُعد من أبرز المناطق الحرفية التراثية بالقاهرة.
ويُعرف الموقع باسم «قصبة رضوان بك»، ويرتبط بمنشآت تجارية وعمرانية تعود إلى العصر العثماني والقرن السابع عشر، وقد أُنشئت القصبة عام 1062هـ، الموافق 1652م، وسُجلت أثرًا عام 1951.
ويرتبط الموقع بالأمير رضوان بن عبد الله الفقاري، أحد أبرز أمراء الفقارية في العصر العثماني، الذي تولى منصب أمير اللواء السلطاني بمصر لمدة عامين، ثم أمير الحج لمدة 8 سنوات، وعاصر السلاطين مراد الرابع وإبراهيم الأول ومحمد الرابع، إلى جانب عدد من ولاة مصر، وتوفي عام 1066هـ، الموافق 1655م.
ويتميز السوق بطرازه المعماري الذي يعكس طبيعة التجارة والحياة اليومية في القاهرة عبر العصور، ويضم مدخلًا رئيسيًا يؤدي إلى ممر مسقوف، وأفنية مكشوفة، وحواصل حجرية، ومقعدًا معماريًا، إلى جانب طوابق مبنية بالطوب الأحمر ونوافذ خشبية مزخرفة.
وتُعد السقيفة من أبرز عناصر الأثر، إذ يتكون سقفها من ألواح خشبية محمولة على براطيم تمتد بعرضها، وتتخلله فتحات مستطيلة تسمح بدخول الإضاءة والتهوية، كما تضم المنطقة زاويتين للصلاة، شرقية وغربية، لخدمة التجار والعاملين.
الخيامية.. حرفة مصرية تحفظ ذاكرة المكان
ترتبط المنطقة بحرفة الخيامية، وهي حرفة مصرية أصيلة تعتمد على قص الأقمشة الملونة وتطريزها يدويًا لتكوين زخارف هندسية وفنية.
وتطورت عبر الأجيال من صناعة الخيام والسرادقات إلى فن تراثي يعبر عن الهوية المصرية، ويرتبط بالمناسبات الاجتماعية والدينية والزخارف الإسلامية، وتُستخدم منتجاته في تزيين البيوت والشوارع، خاصة خلال شهر رمضان.
وتُستخدم الحواصل التاريخية بالسوق حاليًا محالًا لصناعة الخيامية وزخرفتها وبيع منتجاتها، ما يجعل الموقع مساحة حية تجمع بين العمارة التاريخية والنشاط الاقتصادي والحرفي، وتحافظ على الخبرات المتوارثة ومصادر رزق الحرفيين، وتدعم انتقال الحرفة إلى الأجيال الجديدة.
