في كتاب يقع في أقل من 200 صفحة، يفتح الكاتب الصحفي محمود الشربيني ملف واحدة من اللحظات الفارقة في تاريخ الأدب المصري، مستعيدًا تفاصيل لقائه بالأديب الراحل نجيب محفوظ يوم فوزه بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، ومتمسكًا بحقه في أنه أول من أبلغه بالخبر وأول من حاوره بعد الفوز.
ويحمل الكتاب، الصادر عن دار «الناشر» بعنوان «كنت رسول نوبل إلى نجيب محفوظ.. الوجه الآخر لزعيم الحرافيش كما عرفته»، أهمية خاصة في مسيرة الشربيني الصحفية الممتدة على مدار 42 عامًا، إذ يمثل كتابه الثاني، ويجمع بين التوثيق الصحفي واستعادة الذاكرة الشخصية، مع طرح أسئلة حول قيمة السبق الصحفي وحق الصحفي في نسبة جهده إليه.
رسائل الغلاف.. ذاكرة لقاء بعد 38 عامًا
من الغلاف إلى الغلاف، يحشد المؤلف ما لديه من معلومات وأدلة وصور لإثبات ما يراه حقًا أدبيًا ومهنيًا ضائعًا منذ 38 عامًا، وكشف تفاصيل رافقت تلقي نجيب محفوظ خبر فوزه بجائزة نوبل.
ويتصدر الغلاف الأمامي صورتان تجمعان الشربيني بمحفوظ، فيما يحمل الغلاف الخلفي صورة حوار صحفي أجراه المؤلف مع أديب نوبل، تعلوها كلمة بعنوان «هذا الكتاب.. لماذا؟»، يشرح فيها دوافع إصدار العمل بعد مرور 38 عامًا على لقائه الأول بمحفوظ.
ويكتب الشربيني أنه يعود إلى تلك اللحظة الإنسانية والصحفية الفريدة التي يقول إنه أبلغ فيها محفوظ بفوزه بجائزة نوبل في الأدب، وكان أول من حاوره بعدها، في الثانية والربع من عصر الخميس 13 أكتوبر 1988.
ويؤكد المؤلف أن هدفه من إصدار الكتاب يتمثل في توثيق الذاكرة والدفاع عن الحقيقة، بعد أن كشفت السنوات، وفق روايته، عن روايات تجاهلت دوره في تلك الواقعة، وأهدرت تفاصيل تجربة عاشها بنفسه.
ولا يقتصر الكتاب على لحظة إبلاغ محفوظ بالجائزة، إذ يضم حوارات يقول الشربيني إنها تُنشر للمرة الأولى في مطبوعة مصرية، وتكشف جوانب متعددة من شخصية الأديب الراحل وآرائه في السياسة والمجتمع والحب والحياة والحرب والمرأة، ومصر قبل ثورة يوليو وبعدها، والحكام والأحزاب والحركات السياسية.
ندوة بنقابة الصحفيين تناقش قيمة السبق الصحفي
وشهدت نقابة الصحفيين نقاشًا حول الكتاب ومؤلفه ومضمونه، خلال ندوة أدارها الكاتب الصحفي محمد الشافعي، وشارك فيها عدد من الكتاب والنقاد، وامتد الحوار إلى سيرة أديب نوبل ومكانة السبق الصحفي باعتباره قيمة مهنية أساسية تواجه تحديات في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وركزت المناقشات على واقعة إبلاغ نجيب محفوظ بفوزه بالجائزة، ومدى حضور دور الشربيني في الروايات التي تناولت الحدث، إلى جانب ما يقدمه الكتاب من حوارات ومواد توثيقية عن محفوظ.
نبيل عبد الفتاح: الشربيني يحاول إثبات حقه في إبلاغ محفوظ
وقال الكاتب الكبير نبيل عبد الفتاح إن الشربيني يسعى إلى إثبات حقه في أنه أول من أبلغ نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، موضحًا أن المؤلف كان من محرري مكتب جريدة «الأنباء» الكويتية بالقاهرة، الذي يقع مقره بجوار فندق شهرزاد.
وبحسب الرواية التي عرضها عبد الفتاح، كان الشربيني صاعدًا إلى مكتبه وقت إعلان الجائزة، عندما شاهد محفوظ جالسًا في مقهى الفندق خلال فترة الظهيرة، وهو مشهد وصفه بأنه غير معتاد. وعندما دخل المكتب، أبلغه مديره جميل الباجوري بفوز محفوظ بنوبل، فعاد سريعًا إلى المقهى، وطلب من المكتب إرسال المصور فورًا، بعدما قرر إبلاغ الأديب بالخبر وتحقيق سبق صحفي للمجلة التي يعمل بها.
وتسلط هذه الرواية الضوء على تفاصيل اللحظات الأولى لإعلان فوز محفوظ، وعلى ما يطرحه الكتاب بشأن دور الصحفي الذي يقول إنه نقل الخبر إلى الأديب بنفسه.
عبد الله السناوي: القضية تتعلق بالانفراد بالإبلاغ
وركز الكاتب الكبير عبد الله السناوي على أن الكتاب يتجاوز فكرة السبق الصحفي، ويتناول واقعة أساسية يرى أن الشربيني صاحب حق فيها، وهي إخبار نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، وأنه أول من أبلغه بالخبر وأجرى معه حوارًا بعد الفوز.
وأوضح السناوي أن النقاش ينبغي أن يركز على فكرة الانفراد بإبلاغ محفوظ، وليس السبق الصحفي بمعناه العام، مشيرًا إلى أن الواقعة تضع تجربة الشربيني في سياق أوسع يرتبط بالمؤسسات الصحفية، وفي مقدمتها مؤسسة الأهرام، ودورها في تغطية الحدث.
صلاح السروي: الكتاب يجمع بين السبق المنسي وحوارات محفوظ
وقال الناقد الدكتور صلاح السروي إن الكتاب يتكون من شقين رئيسيين؛ يتناول الأول سبقًا صحفيًا يرى المؤلف أنه تعرض للتجاهل، وسعيه إلى إثبات حقه الأدبي في الواقعة، بعدما غاب دوره عن كتابات تناولت فوز محفوظ بجائزة نوبل.
أما الشق الثاني، فيضم حوارات مطولة أجراها الشربيني مع أديب نوبل، وتكشف جوانب متعددة من شخصيته وأفكاره، بما يمنح الكتاب مساحة تتجاوز الدفاع عن حق مهني إلى تقديم مادة صحفية عن أحد أبرز الأدباء المصريين.

فؤاد مرسي: رواية أسطورية عن لحظة استثنائية
وتناول الباحث في الفلكلور فؤاد مرسي الكتاب بوصفه عملًا يجمع بين الاستقصاء والتحليل والتوثيق والحس الأدبي، مشيرًا إلى أن تفاصيل الواقعة تثير أسئلة حول وجود نجيب محفوظ في مقهى فندق شهرزاد في ذلك التوقيت، على خلاف عادته اليومية، وما إذا كانت لديه معلومات مسبقة عن احتمال فوزه بالجائزة.
واستشهد مرسي بالرواية التي كررها محفوظ في لقاءاته الصحفية عن تلقيه خبر الفوز، إذ قال: «كنت نائمًا وأيقظتني زوجتي لتخبرني أن الأهرام على التليفون وأنني قد فزت بجائزة نوبل، فقلت لها: بلاش أحلام»، قبل أن يلتقط سماعة الهاتف ويتأكد من الخبر.
وأشار مرسي إلى أن محفوظ لم يذكر في تلك الرواية الشاب الذي يقول الشربيني إنه أبلغه بالجائزة أولًا، وطرح تساؤلات حول أسباب غياب هذه اللحظة عن رواية الأديب، وما إذا كان الأمر مرتبطًا بالنسيان أو اختلاف العادات اليومية أو عدم تصديق الخبر عند سماعه للمرة الأولى.
وأضاف أن تعدد الأسماء العربية المرشحة للجائزة في ذلك الوقت ربما جعل الخبر مفاجئًا، وأن وصوله لاحقًا عبر مؤسسة الأهرام حسم الأمر لدى محفوظ. واختتم مرسي رؤيته بالإشارة إلى أن الحدث الاستثنائي اكتسب طابعًا أسطوريًا، وأن الروايات المحيطة به زادت من تعقيد تفاصيله.
هاني منسي: السبق الصحفي قد لا يتكرر في العمر
وقال القاص والناقد هاني منسي إن ما يطالب به الشربيني يتجاوز الاعتراف بسبق صحفي، إذ يتعلق باستعادة لحظة من حياته المهنية والتاريخية، يقول إنه صاحبها، ثم وجد اسمه ودوره غائبين عن روايات أخرى تناولت واقعة إبلاغ محفوظ بفوزه بجائزة نوبل.
وأوضح منسي أن السبق في هذه الحالة يرتبط بحق الصحفي في نسبة فعله إليه، وتثبيت موقعه في تاريخ لحظة عاشها وأسهم في صنعها، وهي لحظة قد لا تتكرر في العمر.
وأضاف أن إصرار الشربيني على إثبات أسبقيته يعكس مقاومة لمحو رمزي أصاب هويته المهنية، ورغبة في استعادة مكانه داخل رواية الحدث، حتى لا تتحول الروايات الأخرى، بفعل التكرار أو قوة المنابر، إلى رواية نهائية تستبعده.
وشدد منسي على أن الإنصاف يقتضي إخضاع الروايات المتعارضة للأدلة نفسها، دون مطالبة المؤلف بالصمت لمجرد استقرار رواية سائدة، ودون التسليم بأي شهادة من دون فحص.
وأشار إلى أن الشربيني يستند، بحسب ما عرضه في كتابه، إلى الصور وشهادات شهود العيان، إلى جانب مناقشة الروايات الأخرى وتفنيد ما يراه تناقضات وثغرات فيها.
ويضع الكتاب، عبر شهادات المشاركين في الندوة ومادته الصحفية، واقعة إبلاغ نجيب محفوظ بفوزه بنوبل أمام نقاش أوسع عن الذاكرة الصحفية، وحق أصحاب الوقائع في توثيق أدوارهم، وأهمية مراجعة الروايات المتداولة في ضوء الأدلة والشهادات.

نجيب محفوظ.
