
محمد شقرة.
محمد شقرة يكتب: من قتل الدراما المصرية؟
من الغريب أن نبحث اليوم عن حلول لأزمة الدراما المصرية، بينما كثير ممن صنعوا أهم فتراتها ما زالوا بيننا، بعضهم يشكو قلة الأعمال، وبعضهم يجلس في منزله منتظرًا فرصة، في الوقت الذي تضيق فيه دائرة الاختيارات، وتتكرر الأسماء، ويصبح نجاح العمل أحيانًا مرهونًا باسم نجمه وقدرته على جذب الإعلانات وصناعة «التريند»، أكثر من جودة ما يقدمه.
أحب الدراما والسينما المصرية القديمة، أو لنقل تحديدًا ما قبل عام 2010، وأزعم أنني متابع جيد لها، وأسعى أيضًا لأن أكون يومًا ما أحد كتابها، ولذلك ربما أنظر إلى ما يُقدم حاليًا بعين المشاهد أحيانًا، وبعين من يتمنى أن يصبح جزءًا من هذه الصناعة أحيانًا أخرى، وبالطبع هناك استثناءات مهمة ومحترمة من الأعمال الجديدة، حتى لا نقع في فخ التعميم.
لكنني كثيرًا ما أقف أمام عمل قديم، ثم أشاهد آخر حديثًا، وأسأل نفسي باستغراب حقيقي: كيف كنا هكذا.. وكيف أصبحنا هكذا؟
كيف كانت الدراما المصرية قادرة على تقديم أعمال مختلفة في موضوعاتها وأبطالها ومدارس صناعتها، ثم تعيش شخصياتها وحواراتها ومشاهدها في ذاكرة الجمهور لعشرات السنوات، بينما أصبحنا نشاهد اليوم أعمالًا تُنفق عليها الملايين، وتتصدر مواقع التواصل الاجتماعي طوال فترة عرضها، ثم ينتهي الموسم وكأن شيئًا لم يكن؟
بالتأكيد، تراجع مستوى جزء من الدراما المصرية لا يمكن اختزاله في سبب واحد؛ هناك ارتفاع هائل في تكاليف الإنتاج، وتضخم في الأجور، وتغير في سوق الإعلانات، ودخول المنصات، وضغط المواسم، وسرعة التنفيذ، وحسابات البيع والتسويق، وكلها عوامل تستحق النقاش.
لكن بالنسبة لي، تظل هناك مفارقة أكثر إزعاجًا من كل ما سبق، وهي أن أغلب من صنعوا الفترات الأهم في تاريخ الدراما والسينما المصرية ما زالوا على قيد الحياة. كتاب ومخرجون وممثلون وفنيون قدموا أعمالًا صنعت وجدان أجيال كاملة، ولا يزال كثير منهم قادرًا على العطاء، ومع ذلك نسمع بين الحين والآخر أحدهم يشكو قلة الأعمال، ونرى أسماء كبيرة تغيب لسنوات، وبعضهم يجلس في منزله منتظرًا اتصالًا قد يأتي أو لا يأتي.
هؤلاء صنعوا نجاحاتهم في زمن لم تكن فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة «تريند» كل صباح، ولم تكن قيمة العمل تُقاس بعدد الهاشتاجات أو المقاطع المنتشرة، ولم يكن لدى النجم جيش إلكتروني يدافع عن كل ما يقدمه، كانوا يقدمون العمل، ثم يتركون الجمهور والزمن ليحكما عليه.
وفي المقابل، أصبحت دائرة العمل اليوم، في جزء من الصناعة وليس كلها، شديدة الضيق، الأسماء نفسها تقريبًا تتنقل من مسلسل إلى آخر ومن فيلم إلى آخر، حتى عندما لا تكون النتائج الفنية مبررًا كافيًا لهذا الحضور المستمر.
وهنا نصل إلى أزمة أراها أخطر من ارتفاع الميزانيات نفسها، أن يصبح النجم أكبر من العمل، ففي بعض الأعمال الحالية، لو نزعت اسم البطل من التتر، وجرّدت المسلسل من جماهيرية نجمه، والحملات الدعائية، والملايين الذين يتابعونه على مواقع التواصل الاجتماعي، ربما تظهر قيمة العمل الحقيقية بشكل أكثر وضوحًا.
وجود نجم صاحب جماهيرية كبيرة يعني إعلانات أكثر، وتسويقًا أسهل، واهتمامًا أكبر من الجمهور، وأحيانًا يعني لجانًا إلكترونية قادرة على صناعة حالة حول العمل، وأحيانًا أخرى جمهورًا شديد التعلق بنجمه، يرى كل ما يقدمه «عظمة» لا تقبل النقاش.
وهكذا يتحول السؤال من: هل المسلسل جيد؟ إلى هل المسلسل نجح؟
والفارق بين السؤالين كبير.. لأن النجاح التجاري والجماهيري مهم، ولا يمكن لصناعة أن تستمر من دونه، لكنه ليس بالضرورة شهادة دائمة على القيمة الفنية تستطيع أن تصنع حملة إعلانية ضخمة، وأن يتصدر اسم مسلسل مواقع التواصل، وأن يحقق مشهد ملايين المشاهدات، لكن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن شراؤه أو التحكم فيه وهي ذاكرة الجمهور.
ولهذا لا نزال حتى اليوم نشاهد أعمالًا مر على إنتاجها عشرون وثلاثون عامًا، ونحفظ أسماء شخصياتها وحواراتها وموسيقاها ومشاهدها، بينما قد نعجز عن تذكر اسم شخصية في مسلسل شاهدناه قبل عامين فقط.
التريند يمكن صناعته، والإعلانات يمكن شراؤها، والمشاهدات يمكن تحقيقها، لكن التاريخ لا تصنعه الحملات الدعائية.. وبالتأكيد، هذا ليس صراعًا بين جيل قديم وجيل جديد، وليس ادعاءً بأن كل ما قدم قديمًا كان عظيمًا، أو أن كل ما يقدم الآن سيئ، هناك مواهب جديدة حقيقية في الكتابة والإخراج والتمثيل، وهناك أعمال حديثة أثبتت أن الدراما المصرية لا تزال قادرة على المنافسة وتقديم مستوى كبير، بل وربما صناعة مدارس جديدة أيضًا.
ومن الطبيعي أن يحصل جيل جديد على فرصته؛ فالكبار الذين نتحدث عنهم اليوم كانوا في يوم من الأيام شبابًا حصلوا على فرصة، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عند السؤال هو من يحصل على الفرصة؟ وعلى أي أساس؟
من يقرر أن هذا الكاتب سيكتب كل عام بينما آخر صاحب تاريخ طويل لا يجد عملًا؟ ومن يقرر أن هذا المخرج ينتقل من مسلسل إلى آخر؟ ولماذا أصبحت أسماء بعينها تدور داخل الصناعة باستمرار، بينما أصحاب خبرات كبيرة ومواهب شابة كثيرة يقفون خارج الدائرة؟
وهل أصبح عدد المتابعين معيارًا يسبق الموهبة؟ وهل القدرة على جذب الإعلانات أهم من القدرة على صناعة شخصية تعيش؟ وهل وجود نجم كبير في مقدمة التتر أصبح كافيًا لتمرير مشكلات النص والإخراج وبقية عناصر العمل؟
مصر، في رأيي، لا تعاني أزمة مواهب بقدر ما تعاني أزمة اختيارات، لدينا كتاب كبار، ومخرجون كبار، وممثلون من أجيال مختلفة يمتلكون قدرات استثنائية، ولدينا في الوقت نفسه شباب ينتظرون فرصة واحدة حقيقية لإثبات أنفسهم.
إذًا لماذا يبدو المشهد أحيانًا وكأن الصناعة لا تمتلك سوى عدد محدود من الأسماء التي يجب تدويرها في كل موسم؟
ولماذا لا تجتمع خبرة الأجيال التي صنعت تاريخ الدراما المصرية مع طاقة ومواهب الأجيال الجديدة، بدلًا من أن يجلس أصحاب الخبرة في منازلهم، بينما ينتظر الموهوبون الجدد فرصة قد لا تأتي؟
اليوم يدور حديث واسع عن أزمة صناعة الدراما، وارتفاع أجور النجوم، وزيادة تكاليف التصوير والإنتاج، وكلها أزمات حقيقية لا يمكن تجاهلها، لكن تخفيض ميزانية مسلسل سيئ لن يحوله إلى مسلسل جيد.
الصناعة تبدأ من الفكرة، ثم الورق، ثم اختيار الأشخاص القادرين على تحويل هذا الورق إلى عمل حقيقي، لذلك، قبل أن نسأل كم يتقاضى النجم؟ ربما علينا أن نسأل أولًا لماذا اخترناه؟، وقبل أن نسأل عن تكلفة يوم التصوير، ربما علينا أن نسأل: ماذا نصور أصلًا؟
وقبل أن نحتفل بأن مسلسلًا تصدر «التريند»، علينا أن ننتظر قليلًا ونسأل ماذا سيبقى منه بعد خمس أو عشر سنوات؟
الدراما المصرية لم تصبح صاحبة الريادة العربية بسبب ميزانياتها فقط، ولم يصنع تاريخها نجم واحد مهما بلغت جماهيريته، بل صنعتها منظومة كاملة كانت تعرف قيمة الكاتب، وتحترم دور المخرج، وتختار الممثل المناسب للشخصية، وتدرك أن العمل الفني أكبر من اسم صاحبه.
ولذلك ربما لا تحتاج الدراما المصرية إلى اختراع نفسها من جديد بقدر ما تحتاج إلى أن تتذكر كيف صنعت قوتها من الأساس، فإذا كنا اليوم نسأل بقلق كيف ننقذ الدراما المصرية؟ وكيف تستعيد مكانتها وريادتها؟
فربما يكون السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو “كيف تركنا بعض من صنعوا تاريخها يجلسون في منازلهم، ثم اجتمعنا للبحث عن أسباب تراجعها؟”.
أعيدوا الاعتبار للصناعة قبل النجم، وللكاتب قبل التريند، وللموهبة قبل عدد المتابعين.. فقد تصنع الجماهيرية موسمًا ناجحًا، لكن وحده الفن الجيد يصنع تاريخًا.
