
أحمد الجمل.
سعال وعطس.. فوبيا كل سنة.
مع حلول موسم انتشار الفيروسات التنفسية، تتكرر المخاوف نفسها كل عام، ويبدأ المواطنون في التساؤل عن طبيعة الأعراض المنتشرة، ومدى خطورتها، وما إذا كانت مرتبطة بفيروس كورونا أو بأحد الفيروسات التنفسية الموسمية، ومتى يصبح السعال أو العطس سببًا يستدعي زيارة الطبيب، خاصة مع انتشار المعلومات المتضاربة حول طرق الوقاية والعلاج.
ورغم انتهاء مرحلة جائحة كورونا، فإن التعامل مع الفيروسات التنفسية لا يزال يثير تساؤلات لدى قطاع من المواطنين، بين من يتعامل مع أي أعراض تنفسية باعتبارها مؤشرًا على عودة الخطر، ومن يلجأ إلى تناول الأدوية دون استشارة طبية، اعتقادًا بأن أعراض نزلات البرد المتكررة لا تستدعي القلق أو المتابعة الطبية.
وتبرز هنا أهمية تصحيح المفاهيم المرتبطة بالفيروسات التنفسية، والتعامل معها وفقًا لطبيعة كل حالة، بدلًا من محاولة استنساخ تجارب الماضي أو التعامل مع كل موسم انتشار باعتباره نسخة جديدة من أزمة كورونا.
لماذا نتعامل مع كل موسم تنفسي وكأنه بداية جائحة جديدة؟
من الطبيعي أن تتحور الفيروسات، وأن تتغير أنماط انتشارها وخصائصها بمرور الوقت، وهو ما ينطبق على عدد من الفيروسات التنفسية، ومنها فيروس الإنفلونزا وفيروس كورونا ولا يعني ظهور متحور جديد بالضرورة عودة الجائحة أو أن الفيروس أصبح أكثر خطورة، إذ يتوقف تقييم المخاطر على مجموعة من العوامل، من بينها خصائص المتحور، وشدة المرض الذي يسببه، ومدى انتشاره، والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
ومنذ انتقال التعامل مع كوفيد-19 إلى مرحلة الإدارة طويلة الأمد، أصبح من الضروري النظر إليه ضمن المشهد الأوسع للفيروسات التنفسية، مع استمرار مراقبة تطوراته والاستعداد لأي تغيرات تستدعي تدخلًا صحيًا.
لكن هذا التحول لا يعني تجاهل الفيروس أو التقليل من مخاطره، وإنما يعني الابتعاد عن منطق الطوارئ الدائمة، والاعتماد بدلًا من ذلك على التقييم العلمي للمخاطر، والوعي الصحي، والوقاية، والتعامل المناسب مع الحالات المصابة.
وهنا يبرز السؤال: لماذا يظل التعامل مع كل موسم للفيروسات التنفسية محاطًا بالمخاوف نفسها، وكأن المجتمع مطالب في كل مرة بالعودة إلى ظروف ما قبل عام 2021، رغم اختلاف طبيعة المرحلة الصحية الحالية عن سنوات الجائحة؟
الإجابة ترتبط بضرورة التمييز بين الاستعداد الصحي المطلوب لمواجهة الفيروسات، وبين المبالغة في القلق من كل عرض تنفسي أو متحور جديد فالاستعداد لا يعني الذعر، كما أن انتهاء الجائحة لا يعني اختفاء الفيروس أو انتهاء الحاجة إلى الوقاية والمتابعة الطبية.
متى يحتاج مريض السعال والعطس إلى الطبيب؟
لا توجد قاعدة واحدة يمكن تطبيقها على جميع المرضى لتحديد توقيت زيارة الطبيب، فالتعامل مع الأعراض التنفسية يختلف من شخص إلى آخر وفقًا للعمر والحالة الصحية والأمراض المزمنة وشدة الأعراض وتطورها.
فالطفل ليس كالشخص البالغ، والمريض المصاب بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب والرئة ليس كالشخص الذي لا يعاني من أمراض مزمنة.
كما أن كبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات، ما يستدعي اهتمامًا أكبر بالأعراض وعدم تأخير طلب المشورة الطبية عند الحاجة.
ومن ثم، فإن السؤال عن موعد الذهاب إلى الطبيب لا يمكن الإجابة عنه بتحديد عدد ثابت من الأيام يصلح لجميع الحالات، بل يجب النظر إلى وضع المريض نفسه، وطبيعة الأعراض التي يعاني منها، ومدى تأثيرها على حالته العامة.
وفي الحالات التي تظهر فيها صعوبة في التنفس، أو ألم مستمر في الصدر، أو اضطراب في الوعي، أو زرقة الشفتين، ينبغي طلب الرعاية الطبية العاجلة. كما تستدعي الأعراض المتفاقمة أو الحمى المستمرة أو ظهور علامات الجفاف لدى الأطفال تقييمًا طبيًا مناسبًا، مع مراعاة أن بعض الفئات تحتاج إلى استشارة مبكرة حتى لو بدت الأعراض بسيطة.
ولا يعني ذلك أن كل حالة سعال أو عطس تستدعي الذهاب الفوري إلى المستشفى، بل إن المطلوب هو التقييم المتوازن الذي يراعي اختلاف الحالات، ويمنع في الوقت نفسه الاستهانة بالأعراض التي قد تشير إلى مشكلة أكثر خطورة.
من أبرز المشكلات المصاحبة لمواسم انتشار الفيروسات التنفسية، لجوء بعض المواطنين إلى تناول الأدوية من تلقاء أنفسهم، أو تكرار وصفات علاجية استخدموها في إصابات سابقة، دون التأكد من ملاءمتها للحالة الحالية.
والقاعدة الأساسية أن الأدوية التي تتطلب وصفة طبية يجب ألا تُستخدم إلا وفقًا لتقييم الطبيب وتعليماته، بينما تقتصر الأدوية التي يمكن صرفها دون وصفة على المستحضرات المسموح باستخدامها بهذه الطريقة، مع الالتزام بإرشادات الاستخدام والتحذيرات الواردة بشأنها.
وتزداد أهمية هذه القاعدة عند التعامل مع المضادات الحيوية، إذ لا تعالج هذه الأدوية الفيروسات المسببة لنزلات البرد والإنفلونزا، ولا ينبغي استخدامها إلا عند وجود داعٍ طبي يحدده الطبيب كما أن الاستخدام غير المناسب لبعض الأدوية قد يؤدي إلى آثار جانبية أو تداخلات دوائية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
كذلك، فإن الاعتماد على ما يُعرف شعبيًا بخلطات البرد أو الحقن التي يعتقد البعض أنها تسرّع الشفاء، دون معرفة مكوناتها أو ملاءمتها للحالة، قد يعرض المريض لمخاطر يمكن تجنبها من خلال الاستشارة الطبية والالتزام بالعلاج المناسب.
إن التعامل مع الفيروسات التنفسية يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير، بحيث لا يصبح كل موسم شتوي مصدرًا للذعر، ولا تتحول كل إصابة بالسعال أو العطس إلى توقع بعودة الجائحة، وفي الوقت نفسه لا يجري التقليل من شأن الأعراض أو تجاهل الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
وفي النهاية، فإن تحور الفيروسات ظاهرة طبيعية، والتعامل معها لا ينبغي أن يقوم على استنساخ ظروف الجائحة في كل مرة، وإنما على فهم طبيعة المرحلة الحالية، ومتابعة المعلومات الصادرة عن الجهات الصحية المختصة، والتمييز بين الأعراض البسيطة والعلامات التي تستدعي تدخلًا طبيًا.
