دعوة إلى تبني إشارات الإنذار المبكر للوقاية من الفساد المؤسسي

نبذة عن المقال
مقال يدعو إلى الانتقال من كشف الفساد بعد وقوعه إلى رصد مؤشرات مبكرة تمنع تشكله، عبر منظومة مساءلة ووقاية داخل المؤسسات

الدكتور أمين لطفي

الدكتور أمين لطفي.

الفساد المؤسسي بين الداء والدواء.. من انتظار المخالفة إلى إشارات الإنذار المبكر للمساءلة.

لم تعد مكافحة الفساد في الدولة الحديثة تُقاس فقط بعدد القضايا التي تم كشفها، أو حجم الأموال التي جرى استردادها، أو عدد المخالفين الذين أُحيلوا إلى جهات التحقيق. فهذه كلها مؤشرات ضرورية لقوة الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون، لكنها في الوقت نفسه تعني أن جزءًا من الضرر قد وقع بالفعل. والسؤال الأكثر تقدمًا اليوم ليس فقط: كيف نكتشف الفساد ونحاسب مرتكبيه؟ وإنما: كيف نمنع البيئة التي تسمح له بالتشكل أصلًا؟ وكيف نستطيع قراءة بوادره قبل أن تتحول إلى واقعة مكتملة؟

ومن هنا تأتي الفكرة الجوهرية لـ “المبادرة الرئاسية للوقاية من الفساد المؤسسي من خلال إشارات الإنذار المبكر للمساءلة”؛ وهي مبادرة تقوم على نقل الدولة خطوة إلى الأمام: من اكتشاف الفساد بعد حدوثه إلى استباق مسار تشكله، ومن التركيز على الواقعة المنفردة إلى قراءة الأنماط، ومن الرقابة اللاحقة وحدها إلى منظومة وقاية مبكرة تجعل احتمال التدخل والمساءلة حاضرًا قبل أن يستفحل الانحراف.

الداء: الفساد الكبير لا يبدأ كبيرًا

الخطأ الأول في مواجهة الفساد المؤسسي هو تصور أنه يظهر فجأة في صورة رشوة ضخمة أو اختلاس جسيم أو عقد مشبوه مكتمل الأركان. الواقع أكثر تعقيدًا. فالفساد المؤسسي كثيرًا ما يبدأ بسلوكيات صغيرة، بعضها قد يبدو في البداية غير جوهري: استثناء يتكرر، توصية رقابية لا تنفذ، تضارب مصالح لا يُفصح عنه بصورة كافية، إجراء يتم الالتفاف حوله، عقد يتم تقسيمه لتجنب مستوى أعلى من الموافقة، أو إدارة تتعامل مع الرقابة بوصفها إجراءً يجب اجتيازه لا وظيفة لحماية المؤسسة.

هنا يكمن الداء الحقيقي: أن المخالفة الصغيرة إذا تكررت من دون تصويب قد تتحول إلى نمط، والنمط إذا تطبع داخل المؤسسة قد يتحول إلى بيئة حاضنة للفساد.

ولهذا فإن مكافحة الفساد بعد اكتماله تشبه أحيانًا علاج المرض بعد وصوله إلى مرحلة متقدمة، في حين أن الإدارة الحديثة للمخاطر تسعى إلى اكتشاف المؤشرات الأولى للمرض. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد نفسها لا تقتصر على التجريم والعقاب؛ فقد خصصت فصلًا كاملًا للتدابير الوقائية، وأكدت أهمية وجود سياسات وممارسات فعالة لمنع الفساد وتعزيز النزاهة داخل المؤسسات العامة.

وتتجه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الاتجاه نفسه؛ فهي تربط النزاهة العامة بنظم إدارة المخاطر والرقابة الداخلية والتدقيق الداخلي، وتؤكد أن إدارة مخاطر النزاهة يجب أن تساعد المؤسسات العامة على تحديد مخاطر الفساد والاستجابة لها، لا انتظار تحققها فقط. كما تشير بيانات المنظمة الحديثة إلى أن قوة اللوائح لا تكفي، وأن التحدي الأكبر كثيرًا ما يكمن في فجوة التنفيذ الفعلي.

الداء الثاني: كثرة الرقابة لا تعني بالضرورة الوقاية

قد تمتلك المؤسسة لوائح جيدة، وإدارة مخاطر، ووحدة مراجعة داخلية، ولجنة مراجعة، وتقارير دورية، ومع ذلك يمكن أن يفلت الخطر من بين كل هذه الطبقات إذا كان كل طرف ينظر إلى الواقعة منفصلة عن سياقها.

المشكلة هنا ليست نقص المعلومات، وإنما عدم تحويل المعلومات المتفرقة إلى معنى رقابي واحد.

قد يرى المراجع الداخلي تأخرًا متكررًا في تنفيذ توصياته. وترى إدارة المخاطر ضعفًا في فصل الصلاحيات. وترصد الحوكمة تضاربًا محتملًا في المصالح. وترصد الإدارة المالية سلسلة من الاستثناءات الصغيرة. كل مؤشر منفرد قد لا يستدعي إعلان حالة طوارئ، لكن جمعها معًا قد يقدم صورة مختلفة تمامًا.

وهنا تظهر الحاجة إلى مفهوم جديد: إشارات الإنذار المبكر للمساءلة.

فالهدف ليس إنتاج مزيد من التقارير، وإنما أن تصبح البيانات الموجودة أصلًا قادرة على القول لصانع القرار: هناك نمط يتشكل، وهذه درجة خطورته، وهذه الجهة التي يجب أن تتدخل، وهذا هو الزمن المناسب للتدخل.

الدواء: إشارات الإنذار المبكر للمساءلة

يقصد بإشارات الإنذار المبكر للمساءلة مؤشرات مهنية وحوكمية وسلوكية ومالية تكشف احتمال تطور انحراف مؤسسي قبل تحوله إلى فساد مكتمل.

وهي تختلف عن “العلامات الحمراء” التقليدية في أن الأخيرة ترتبط غالبًا بالبحث عن احتمالات احتيال أو واقعة مشبوهة، بينما إشارات المساءلة تقرأ المسار المؤسسي: هل هناك تكرار؟ هل الإدارة تستجيب؟ هل الحوكمة تعمل في الجوهر أم في الشكل؟ هل هناك مقاومة للإفصاح؟ هل الاستثناء أصبح قاعدة غير مكتوبة؟

الإشارة ليست اتهامًا، ولا تحل محل التحقيق، ولا تنشئ إدانة مسبقة. إنها ببساطة إنذار مؤسسي منضبط يقول إن درجة الخطر تجاوزت الحد الذي يسمح بالاكتفاء بالملاحظة.

ومن هنا تقترح المبادرة تصنيفًا متدرجًا للإشارات: إشارات وقائية محدودة تعالج داخل المؤسسة، وإشارات حوكمية متوسطة تستوجب خطة تصحيح وتصعيدًا إلى لجنة المراجعة أو الجهة المختصة، وإشارات مرتفعة الخطورة تستدعي التدخل الوقائي العاجل وفق الاختصاصات القانونية للجهات المعنية.

المراجعة الداخلية: من خط الدفاع الثالث إلى عين الإنذار المبكر

هذه النقطة تحديدًا هي أحد أهم جوانب المبادرة.

وفق نموذج “الخطوط الثلاثة” لمعهد المراجعين الداخليين، تقدم المراجعة الداخلية تأكيدًا مستقلًا وموضوعيًا بشأن فاعلية الحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية، وهي تمثل الخط الثالث المستقل داخل المنظمة.

لكننا نستطيع البناء على هذه الوظيفة بما يتناسب مع احتياجات الدولة المصرية، بحيث لا تظل المراجعة الداخلية مجرد جهة تختبر ما إذا كانت الضوابط قد عملت في الماضي، وإنما تصبح عينًا مؤسسية مبكرة ترصد الأنماط التي قد تنبئ بالخطر مستقبلًا.

وهذا لا يعني تحويل المراجع الداخلي إلى ضابط ضبط قضائي، ولا إلى محقق جنائي، كما لا يعني إهدار استقلاله المهني. بل العكس؛ فالاستقلال هو الذي يعطي الإشارة قيمتها. المطلوب هو أن يمتلك المراجع الداخلي منهجية موحدة لتحديد الإشارات وتصنيفها وتوثيقها وتصعيدها.

ويمكن لوحدات المراجعة الداخلية والحوكمة داخل الجهات والشركات أن تكون الشبكة الأولى لتوليد هذه الإشارات، على أن تُفعّل قنوات قانونية ومؤسسية واضحة للتصعيد والتدخل عند تجاوز المخاطر حدودًا معينة.

وهذا الاتجاه ليس بعيدًا عن المرجعيات الدولية. فمبادئ مجموعة العشرين بشأن تعزيز دور التدقيق في مكافحة الفساد أكدت أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المراجعة الداخلية والخارجية في مكافحة الفساد، بما في ذلك حماية العاملين في التدقيق عند الإبلاغ عن مظاهر الفساد وفق الأطر القانونية ذات الصلة.

والرقابة الإدارية؟ من مكافحة الواقعة إلى قيادة الوقاية

إذا كانت وحدات المراجعة الداخلية والحوكمة هي مولد الإشارات داخل المؤسسات، فإن السؤال يصبح: من يقود المنظومة الوطنية التي تحول هذه الإشارات إلى وقاية فعالة؟

وهنا أرى أن هيئة الرقابة الإدارية هي الجهة الطبيعية لقيادة هذا النموذج على المستوى الوطني؛ ليس لتحل محل وحدات المراجعة أو لجان الحوكمة أو الجهات التنظيمية، وإنما لتكون المظلة التنسيقية للوقاية من الفساد المؤسسي، مع احترام اختصاصات كل جهة.

الفكرة ليست أن يصل إلى الهيئة كل خطأ إداري صغير. فهذا سيؤدي إلى نتيجة عكسية وإلى إغراق منظومة المكافحة بكم هائل من البيانات منخفضة القيمة. الفكرة أن تُبنى مصفوفة تصعيد وطنية تحدد متى تبقى الإشارة داخل المؤسسة، ومتى تنتقل إلى الجهة التنظيمية، ومتى تصبح درجة الخطر كافية لتفعيل آلية وقائية لدى الرقابة الإدارية.

والأهم أن يتم ذلك وفق معايير وليس وفق الانطباع الشخصي.

الدواء ليس العقاب الأكثر شدة.. بل احتمالية المساءلة الأكثر يقينًا.

هذه نقطة يجب أن تستقر في فلسفة مكافحة الفساد. فالردع لا ينتج بالضرورة من زيادة حجم العقوبات فقط، وإنما من ترسيخ الاعتقاد بأن الانحراف سيُكتشف وأن التعامل معه لن يتأخر.

ولهذا فالقيمة الكبرى لإشارات الإنذار المبكر أنها تغيّر البيئة السلوكية نفسها. عندما يعلم المسؤول أن النظام لا ينظر فقط إلى قيمة كل معاملة منفردة، وإنما يراقب تكرار الأنماط وعلاقاتها واستجابة الإدارة لها، فإن تكلفة التحايل ترتفع حتى قبل وقوع المخالفة الكبرى.

وهذا هو جوهر الانتقال من رقابة الواقعة إلى حوكمة الاحتمال.

ماذا تقول التجارب والمرجعيات العالمية؟

المرجعيات العالمية لا تقدم نموذجًا واحدًا جاهزًا يمكن نسخه حرفيًا. وهذا أمر مهم؛ فالـOECD تؤكد أن نظم إدارة مخاطر النزاهة والرقابة الداخلية ينبغي تكييفها مع البيئة القانونية والمؤسسية لكل دولة.

لكن الاتجاه المشترك واضح: الوقاية، إدارة المخاطر، استقلال وظائف التأكيد، جودة الحوكمة، وتحويل المعلومات إلى مساءلة فعلية.

وتؤكد الأمم المتحدة في إطار الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد أهمية نظم إدارة المخاطر والرقابة الداخلية في الوقاية. كما تنظر OECDإلى منظومة النزاهة باعتبارها شبكة مترابطة من إدارة المخاطر، والرقابة، والمساءلة والإنفاذ، وليس مجموعة إجراءات منعزلة.

أما معهد المراجعين الداخليين فيؤكد أن الخط الثالث يجب أن يقدم تأكيدًا مستقلًا بشأن الحوكمة والمخاطر والضوابط، وهو ما يمنح وحدات المراجعة الداخلية أساسًا مهنيًا قويًا للقيام بدور أكبر في منظومات الوقاية، مع الحفاظ على حدود استقلالها ومسؤولياتها.

وهكذا فإن الجديد في المبادرة المصرية المقترحة ليس اختراع الوقاية أو إدارة المخاطر؛ الجديد هو جمع هذه المرجعيات في بنية سياساتية واحدة تتمحور حول إشارات الإنذار المبكر للمساءلة وتحويلها إلى قرارات تدخل متدرجة.

ما الذي نحتاجه في مصر؟

لا نحتاج جهازًا رقابيًا جديدًا، ولا أرى أن الحل يبدأ بمزيد من الهياكل. لدينا بالفعل المؤسسات الأساسية. المطلوب هو إعادة هندسة العلاقة بينها.

نحتاج أولًا إلى إطار وطني لإشارات الإنذار المبكر للمساءلة يحدد تعريف الإشارة ومصادرها ومستويات خطورتها وقواعد تصعيدها.

ونحتاج ثانيًا إلى معيار مهني تنفيذي يلزم وحدات المراجعة الداخلية والحوكمة بكيفية الرصد والتوثيق والتصنيف، من دون تحويلها إلى جهات تحقيق.

ونحتاج ثالثًا إلى منصة تحليل آمنة تسمح، وفق قواعد صارمة للسرية والصلاحيات، بقراءة الأنماط المتكررة والعابرة للجهات.

ونحتاج رابعًا إلى مؤشرات أداء جديدة. فلا ينبغي أن يقاس نجاح مكافحة الفساد فقط بعدد القضايا المكتشفة؛ يجب أن نقيس أيضًا: كم خطرًا تم احتواؤه قبل تفاقمه؟ كم إشارة متوسطة لم تتحول إلى مرتفعة؟ كم انخفض زمن التصويب؟ وهل تراجعت الملاحظات المتكررة؟

الداء والدواء في جملة واحدة

الداء هو أن الفساد المؤسسي قد يتشكل تدريجيًا بين التقارير والإجراءات قبل أن يصبح واضحًا بما يكفي لإطلاق آليات المواجهة التقليدية.

أما الدواء فهو أن تبني الدولة قدرة مؤسسية على قراءة هذه المرحلة المبكرة نفسها؛ أي أن ترى الأنماط قبل أن تتحول إلى أزمات.

وهذه هي فلسفة المبادرة الرئاسية للوقاية من الفساد المؤسسي من خلال إشارات الإنذار المبكر للمساءلة.

فالمبادرة لا تقلل من قيمة كشف الفساد أو المحاسبة بعد وقوعه، وإنما تضيف طبقة كانت مفقودة: الوقاية قبل الاكتمال.

وفي دولة تسعى إلى تعظيم قيمة كل جنيه من المال العام، وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: “كم واقعة فساد كشفنا؟”، بل كذلك: كم واقعة لم نسمح أصلًا بأن تكتمل؟

وهنا تتحول مكافحة الفساد من رد فعل إلى سياسة دولة، وتتحول المراجعة الداخلية والحوكمة من وظيفة رقابية تقليدية إلى قدرة مؤسسية على الإنذار، وتتحول المساءلة من نهاية للعملية إلى قوة تبدأ قبل وقوع الضرر.

فالنجاح الأكبر للدولة ليس في قدرتها على التعامل مع الفساد بعد أن يظهر، وإنما في قدرتها على جعل البيئة المؤسسية التي تسمح له بالنمو أضيق، واكتشاف إشاراته أسرع، والتدخل بشأنه أبكر.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#أمين لطفي#الحوكمة#الفساد المؤسسي#المراجعة الداخلية#هيئة الرقابة الإدارية