بعد تكريمه من الوزير.. حكاية مدير مدرسة حوّل الطالب من متلقٍ إلى شريك في التعليم: بعشق رسالة التدريس| تقرير
داخل فصول مدرسة ميت كنانة الريفية للتعليم الأساسي، التابعة لإدارة طوخ التعليمية بمحافظة القليوبية، لم يعد الطالب مجرد متلقٍ يجلس في مقعده منتظرًا أن ينتهي المعلم من شرح الدرس، بل أصبح جزءًا من الحصة، يشارك في إعدادها وشرحها، ويتفاعل مع زملائه، في محاولة للخروج من الطرق التقليدية إلى أسلوب يمنحه دورًا أكبر في العملية التعليمية.
خلف هذه التجربة يقف محمود محمد عبد اللطيف، مدير المدرسة، الذي يرى أن تطوير التعليم لا يبدأ بالإمكانات وحدها، وإنما بفكرة يؤمن بها فريق العمل، ومناخ يسمح بتطبيقها، ومعلم يدرك أن مهمته لا تقتصر على نقل المعلومات، وإنما تمتد إلى بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته.
لم يأتِ عبد اللطيف إلى إدارة المدرسة منفصلًا عن التجربة الأكاديمية، فقد عمل مدرسًا مساعدًا بكلية التربية النوعية بجامعة بنها كما يصرح لـ القاهرة 24، وهناك تعرّف على أفكار تربوية وأساليب للتعلم النشط، ظل يفكر في كيفية نقلها من قاعات الدراسة الجامعية إلى الفصول المدرسية، حتى وجد في مدرسة ميت كنانة الريفية مساحة لتطبيقها بما يتناسب مع إمكاناتها.


“كل الأفكار والتعليم النشط اللي كنت بدرسه داخل الكلية تم تطبيقه بشكل بسيط مع الانضباط”، هكذا يلخص مدير المدرسة جانبًا من تجربته، التي تقوم على إشراك الطلاب في الدروس، بدلًا من الاكتفاء بتلقي المعلومات وحفظها.
لم يكن الهدف، بحسب حديثه، تغيير شكل الحصة فحسب، وإنما تغيير دور الطالب داخلها؛ فبدلًا من أن ينتظر شرح المعلم، أصبح يشارك في تجهيز الدرس وشرحه والتفاعل مع زملائه، ليصبح التعلم تجربة يشارك في صنعها، لا معلومات يتلقاها بصورة سلبية.

“بصراحة خرجنا في التدريس في المدرسة عن الطرق التقليدية، وأصبح الطالب عنصرًا أساسيًا وشريكًا في العملية التعليمية، يجهز الدرس ويشرح ويتفاعل مع الجميع، وتطبيق التعلم النشط”، يقول عبد اللطيف، وهو يشرح الفكرة التي يرى أنها ساعدت على تطوير تجربة المدرسة.
وبالنسبة إليه، فإن مشاركة الطالب في الدرس تمنحه فرصة للتعبير عن نفسه، وتساعده على اكتساب الثقة وتحمل المسؤولية، كما تجعل الفصل مساحة للتفاعل بين المعلم وطلابه، بدلًا من اقتصار العملية التعليمية على الشرح والتلقي.
لكن هذه التجربة، كما يوضح مدير المدرسة، لم تكن لتستمر بجهد فردي، مهما كانت الفكرة جيدة؛ فالإدارة وحدها لا تستطيع إحداث تغيير حقيقي من دون فريق يعمل بروح واحدة، ويؤمن بأن ما يقدمه داخل المدرسة مسؤولية تتجاوز حدود الوظيفة.
ولهذا، حين يتحدث عبد اللطيف عن أسباب التفوق، لا يبدأ بالإمكانات أو القرارات الإدارية، بل يضع التعاون في مقدمة حديثه: “أهم شيء ممكن يكون سبب التفوق هو روح الجماعة وتقسيم العمل على الجميع، وأننا أصحاب رسالة أمام المولى عز وجل”.
محمود عبد اللطيف يخرج بطلاب مدرسة ميت كنانة الريفية من التعليم التقليدي: «الطالب أصبح شريكًا في العملية التعليمية»
في حديثه عن تجربته، يتجنب محمود عبد اللطيف تقديم نفسه باعتباره صاحب الإنجاز الوحيد، ويحرص على الإشارة إلى دور كل من يعمل داخل المدرسة، من المعلمين والإداريين إلى العمال، معتبرًا أن نجاح المؤسسة التعليمية هو حصيلة جهد مشترك.
“بصراحة أنا بعشق رسالة التدريس، ولكن الفضل يرجع إلى جميع العاملين في المدرسة”، يقول عبد اللطيف، الذي يربط بين الإخلاص في العمل والقدرة على توفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب.
ويضيف: “الجميع في المدرسة يعمل بجد، والجميع يجتهد لصالح أبنائنا الطلاب”، مؤكدًا أن العمل الجماعي هو ما يمنح الأفكار فرصة للتحول إلى واقع، مهما كانت الإمكانات المتاحة.
ويختصر مدير المدرسة فلسفته في عبارة يكرر معناها عند الحديث عن التجربة: “النجاح يعود للجميع مهما كانت الإمكانيات، بدون روح وفريق لا شيء”.
ولا يتوقف هذا الانتماء عند حدود التعاون بين العاملين، بل يمتد إلى علاقة الطلاب بمدرستهم، وهو ما يفسر اهتمامه بالمناخ المدرسي باعتباره جزءًا من العملية التعليمية، لا مجرد عنصر مكمل لها.
“الانتماء للمدرسة ولد انتماء لكل شيء”، كما يتابع عبد اللطيف، في إشارة إلى أهمية أن يشعر الطالب بأنه جزء من المكان الذي يتعلم فيه، وأن تكون المدرسة مساحة يرتبط بها ويحرص على المشاركة في أنشطتها والحفاظ عليها.
لم تقتصر تجربة المدرسة على تطوير طرق التدريس داخل الفصول، بل امتدت إلى الاهتمام بالبيئة المدرسية والأنشطة التي تمنح الطلاب مناخًا أكثر جذبًا للتعلم.
ويشير عبد اللطيف إلى أن المدرسة حققت مركزًا على مستوى الجمهورية، كما حصلت على المركز الثالث في مسابقة أجمل حديقة مدرسية على مستوى الجمهورية، وفقًا لما ورد في التغطيات الإعلامية المتعلقة بتكريم فريق المدرسة.

الحديقة المدرسية، في سياق هذه التجربة، ليست مجرد مساحة خضراء داخل أسوار المدرسة، وإنما جزء من البيئة التي يسعى فريق العمل إلى تحسينها، بما يجعل المكان أكثر ملاءمة للطلاب، ويعزز ارتباطهم بمدرستهم.
وعن الصورة التي وصلت إليها المدرسة، يقول عبد اللطيف: “مدرسة ميت كنانة الريفية أصبحت مؤسسة تعليمية بشهادة الجميع”.
وهي عبارة تعكس اعتزازه بما تحقق، لكنها تأتي أيضًا في سياق إصراره على أن الفضل لا يعود إلى شخص واحد، وإنما إلى منظومة عمل شارك فيها الجميع، وتضافرت خلالها جهود المعلمين والإداريين والعاملين.
لا يغفل مدير المدرسة دور القيادات التعليمية في دعم التجربة، إذ وجّه الشكر إلى مدير إدارة طوخ التعليمية خالد عطا، ووكيل الإدارة الصياد الزهوي، والدكتور ياسر محمود، وكيل وزارة التربية والتعليم بالقليوبية، مشيدًا بالدعم الذي يقدمه المسؤولون للمدرسة.
ويرى عبد اللطيف أن تطوير العملية التعليمية يحتاج إلى تكامل الجهود بين إدارة المدرسة والإدارة التعليمية والمديرية، حتى يتمكن العاملون من الاستمرار في تطبيق الأفكار التربوية وتطوير الأداء داخل الفصول.
كما حرص على توجيه الشكر إلى جميع العاملين بالمدرسة، مؤكدًا أن كل فرد، مهما اختلف موقعه أو طبيعة عمله، يؤدي دورًا في نجاح المؤسسة التعليمية.

يأتي تكريم مدير المدرسة ضمن الاهتمام بتجارب مديري المدارس المتميزة على مستوى الجمهورية، لكنه بالنسبة إلى عبد اللطيف لا يمثل نهاية الطريق، بقدر ما يعكس تقديرًا لجهد جماعي ومسؤولية تتجدد مع كل يوم دراسي.
فما يهمه، وفقًا لما يوضحه في حديثه، ليس الاحتفاء بالإنجاز وحده، وإنما استمرار العمل من أجل الطلاب، وتطوير أساليب التدريس، وتوفير بيئة مدرسية جيدة، وتعزيز روح الفريق بين العاملين.
وحين يعود إلى الحديث عن تجربته، لا يفصل بين حبه للتدريس ودوره الإداري، ولا يرى أن النجاح يمكن اختزاله في منصب أو تكريم، بل يربطه بالرسالة التي يحملها كل من يعمل داخل المدرسة.
“أنا بعشق رسالة التدريس”، يستكمل عبد اللطيف، في عبارة تختصر جانبًا من علاقته بالمهنة التي انتقل من العمل الأكاديمي إلى إدارتها ميدانيًا، محاولًا أن يجعل الأفكار التي تعلّمها قابلة للتطبيق داخل الفصول.

وهكذا، تبدو حكاية مدرسة ميت كنانة الريفية أبعد من مجرد تكريم مدير مدرسة؛ إنها تجربة تقوم على إشراك الطالب في التعلم، وإعطاء فريق العمل دورًا أساسيًا في النجاح، والنظر إلى البيئة المدرسية باعتبارها جزءًا من بناء الإنسان.
وبين معلم سابق بكلية التربية النوعية، ومدير مدرسة يؤمن بأن الطالب يجب أن يكون شريكًا في الدرس، تبقى الفكرة الأساسية التي يراهن عليها محمود محمد عبد اللطيف واضحة: أن تطوير التعليم لا تصنعه الإمكانات وحدها، بل تصنعه أيضًا فكرة جيدة، وفريق يؤمن بها، وإخلاص لرسالة التدريس.
