11 عامًا من الشغف.. علا علي مترجمة لغة الإشارة بمهرجان الجونة بعد تصدرها التريند: هدفي الأكبر ترجمة كل الأعمال الفنية
لم تكن الأضواء التي أحاطت بنجوم الفن وصناع السينما خلال الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي وحدها كفيلة بخطف الأنظار، فبين الكلمات المنطوقة وحكايات الأفلام، كان هناك حضور مختلف استطاع أن يلفت انتباه الجمهور، وأن يفتح نافذة جديدة أمام الصم وضعاف السمع لمتابعة الأعمال الفنية والتفاعل معها، إنها علا علي، مترجمة لغة الإشارة، التي تحولت إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي بعد مشاركتها في فعاليات المهرجان، في مشهد أعاد طرح تساؤلات مهمة حول حق الجميع في الوصول إلى الفن والثقافة دون حواجز.
بحركات يديها وتعبيرات وجهها، لم تكتفِ علا بنقل الكلمات، بل سعت إلى إيصال المعاني والمشاعر، لتصبح لغة الإشارة جزءًا من المشهد السينمائي، بعدما اعتاد الجمهور رؤيتها بصورة أكبر في نشرات الأخبار والفعاليات الرسمية، وبينما توقعت نجاح فكرة وجود ترجمة بلغة الإشارة داخل المهرجان، لم تتوقع أن يتحول ظهورها إلى تريند يحظى بهذا القدر من الاهتمام.

وقالت علا علي مترجمة لغة الإشارة بمهرجان الجونة السينمائي، في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، إن انتشار مقاطع ظهورها كان أكبر من توقعاتها، مؤكدة سعادتها بالاهتمام المتزايد بلغة الإشارة في المجال الفني، بعدما بدأت تتجاوز حضورها التقليدي في ترجمة الأخبار لتصبح جزءًا من الفعاليات والأعمال الفنية، وترى أن هذه الخطوة تمثل فرصة حقيقية لتوسيع دائرة المستفيدين من المحتوى الثقافي والفني، وإتاحة تجارب جديدة أمام جمهور الصم وضعاف السمع.
حين تصبح السينما متاحة للجميع
وأكثر ما لفت انتباه علا خلال مشاركتها في المهرجان هو انتشار صورها ومقاطع الفيديو الخاصة بها فحسب، بل ما لمسته من تفاعل الجمهور الذي تنقل إليه محتوى الأفلام واللقاءات الفنية، وتروي أنها فوجئت بأن بعض المتلقين من الصم وضعاف السمع لم يكونوا على دراية بوجود أفلام تتناول قضايا المرأة وتجاربها، أو أعمال يمكن أن تمنحهم خبرات حياتية مختلفة، إذا أتيحت لهم فرصة متابعتها وفهم مضمونها.
وأشارت إلى أن ترجمة الأفلام واللقاءات، ومنها اللقاءات التي شاركت فيها الفنانات يسرا، وإيناس الدغيدي، وليلى علوي، يمكن أن تفتح أمام هذا الجمهور آفاقًا جديدة للتعرف على موضوعات وتجارب ربما لم تتح لهم فرصة الاطلاع عليها من قبل.

ومن هنا، ترى علا أن اهتمام إدارة المهرجان ونجوم الفن بلغة الإشارة خطوة مهمة وجريئة، لأنها تضع قضية الإتاحة والدمج في قلب المشهد الثقافي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أمرًا ثانويًا، وتؤكد أن الهدف لا يتوقف عند ترجمة فعالية بعينها، بل يمتد إلى إتاحة أكبر قدر ممكن من الأفلام والأعمال الفنية للصم وضعاف السمع.
ولفتت إلى أن الترجمة النصية وحدها لا تحقق دائمًا الغرض المطلوب، إذ تستهدف ترجمة لغة الإشارة نقل المعنى بصورة بصرية وتعبيرية تتناسب مع طبيعة اللغة واحتياجات المتلقين، بما يساعدهم على فهم المحتوى والتفاعل معه بصورة أكثر اكتمالًا.

من شغف بالفن إلى تجربة استثنائية في الجونة
ولم تأتِ مشاركة علا علي في مهرجان الجونة من فراغ، بل سبقتها سنوات من العمل في مجال ترجمة لغة الإشارة، وشغف خاص بالفن والأعمال الدرامية والموسيقية، موضحة أن اهتمامها بترجمة الأغاني والمسلسلات وغيرها من الأعمال الفنية كان من أبرز العوامل التي قادتها إلى هذه التجربة، وجاء ترشيحها للمشاركة في المهرجان عن طريق شركة استشارات متخصصة في مجال إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، لتجد نفسها أمام فرصة لنقل خبرتها إلى مساحة فنية تحظى بمتابعة واسعة.
وأوضحت علا أنها شاركت في الفعاليات دون استعدادات مسبقة خاصة بالمهرجان، لأن طبيعة عملها تعتمد على الترجمة الفورية والتعامل مع الحدث لحظة وقوعه، وهو ما يتطلب سرعة الاستيعاب والقدرة على نقل المعنى بصورة مباشرة، مهما اختلف موضوع الحديث أو طبيعة الفعالية..
وأضافت أن الترجمة في المجال الفني لم تخلُ من التحديات؛ فبعض المصطلحات السينمائية والفنية لا تتوافر لها إشارات متداولة ومعروفة لدى جميع المتلقين، وهو ما يدفعها إلى البحث عن بديل بصري يوازي المعنى، أو شرح المصطلح وتوضيحه بجملة تعبيرية تساعد على فهم المقصود، وأن الأمر لا يتعلق باستبدال كل كلمة بإشارة مقابلة، بل بفهم السياق أولًا، ثم اختيار الطريقة المناسبة لنقل الفكرة، وهي عملية تحتاج إلى سرعة البديهة والمرونة اللغوية والقدرة على التصرف في اللحظة نفسها.

11 عامًا من العمل.. حكاية بدأت بحب لغة الإشارة
ووراء الظهور الذي تصدر التريند، رحلة مهنية امتدت لنحو 11 عامًا، بدأتها علا علي بدافع إنساني ورغبة في التواصل مع مجتمع الصم، قبل أن تتحول إلى مسار مهني متنوع جمع بين الإعلام والخدمات الحكومية والتدريب الفني بمجال الهندسة والميكانيكا.
وتستعيد علا بداياتها، موضحة أن حبها للصم كان الدافع الأساسي وراء تعلم لغة الإشارة، وأن خطواتها الأولى في المجال ارتبطت بالإعلام وترجمة إعلانات شهر رمضان ونشرها عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، ومع الوقت، بدأ المحتوى الذي تقدمه ينتشر، وأصبح اسمها معروفًا لدى شريحة من المتابعين المهتمين بلغة الإشارة وإتاحتها للجمهور.
ومع تطور تجربتها، انتقلت من تقديم المحتوى الإعلامي المترجم إلى العمل مترجمة فورية، ترافق الصم وضعاف السمع في المصالح الحكومية وتساعدهم على التواصل والتعامل مع المشكلات التي قد تواجههم أثناء الحصول على الخدمات.
كما خاضت تجربة العمل في إحدى شركات الاتصالات، قبل أن تتوسع خبرتها إلى مجال التدريب الفني، حيث تشير إلى أنها أصبحت أول مهندسة مترجمة تعمل في تدريب الصم وضعاف السمع في مجال الميكانيكا، وتعريفهم بالمصطلحات والآلات وأدوات الخراطة والمعدات المستخدمة في هذا المجال.
لغة الإشارة ليست ترجمة حرفية
أكدت علا أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المجال هو الاعتقاد بأن لغة الإشارة تقوم على ترجمة كل كلمة منطوقة بصورة حرفية، وأن طبيعة هذه اللغة تعتمد على نقل المعنى من خلال الإشارات وتعبيرات الوجه والسياق، وليس على مطابقة الكلمات كلمة بكلمة، والمترجم المحترف يحتاج إلى سرعة البديهة والقدرة على فهم الرسالة وصياغتها بصريًا بما يضمن وصولها إلى المتلقي، خصوصًا في المواقف التي تتضمن مصطلحات متخصصة أو موضوعات غير مألوفة.
ودعت إلى توفير فرص عمل للصم وضعاف السمع في مختلف المجالات، معتبرة أن الدمج الحقيقي لا يتحقق بمجرد إتاحة الخدمات، بل يتطلب أيضًا فتح أبواب التعليم والتدريب والتوظيف والمشاركة المجتمعية أمامهم، وتلفت إلى أهمية استخدام المصطلحات التي تحترم الأشخاص وتعبّر عنهم بدقة، والابتعاد عن التعبيرات التي قد تنتقص منهم أو تختزل قدراتهم.

