التعليم والثقافة يعززان الشراكة المصرية الصينية مع اقتراب مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية

نبذة عن المقال
العلاقات التعليمية والثقافية بين مصر والصين تتوسع في الجامعات والمدارس وورش لوبان، مع برامج مشتركة لتأهيل الكوادر ودعم التحول الرقمي

تمثل العلاقات التعليمية والثقافية أحد المسارات الرئيسية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين، مع احتفال البلدين في عام 2026 بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، التي شهدت تطورًا متواصلًا في مجالات التعليم وتبادل الخبرات وتنمية الموارد البشرية، وصولًا إلى التعاون في التكنولوجيا المتقدمة والتدريب المهني وتأهيل الكوادر.

وتستند العلاقات بين البلدين إلى تاريخ دبلوماسي ممتد منذ عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وعلى مدار هذه المسيرة تطور التعاون من التبادل الثقافي والتعليمي إلى شراكات أكاديمية وتكنولوجية ومهنية أكثر تنوعًا.

قيادة البلدين تدعم توسيع التعاون التعليمي

أسهمت التفاهمات بين قيادتي مصر والصين في رسم مسارات التعاون الثنائي في مجالي التعليم وتنمية الموارد البشرية، ففي يناير 2016 زار الرئيس الصيني شي جين بينج مصر، وأكد استعداد بلاده لتعزيز التبادل الثقافي والتعليمي والسياحي، وتنمية التواصل الودي بين الشعبين.

وفي ديسمبر 2022 شدد شي جين بينج، خلال لقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي في الرياض، على أهمية تعزيز التعاون في إنشاء ورش لوبان وتعليم اللغة الصينية، بما يسهم في إعداد مزيد من الكوادر التي تدعم الصداقة المصرية الصينية.

كما شهد سبتمبر 2026 زيارة جديدة للرئيس الصيني إلى مصر، تناولت خلالها المباحثات مع الرئيس السيسي سبل تعزيز التبادل الثقافي وتوسيع آفاق التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والصحة والرياضة، إلى جانب تكثيف الزيارات والتبادلات الشعبية وتعزيز التقارب والتفاهم بين البلدين.

وأكد البيان المشترك بشأن مواصلة تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة أهمية مواصلة المواءمة بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية مصر 2030، ودعم جهود مصر لتصبح مركزًا إقليميًا للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتضمن البيان مجالات متعددة للتعاون، تشمل السيارات الكهربائية وصناعة السفن والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحلية مياه البحر، إلى جانب الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي وإنترنت الأشياء والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، فضلًا عن المعادن الحيوية والزراعة وصناعة السيارات، كما أكد أهمية تنمية الموارد البشرية وتبادل الخبرات والتقنيات لدعم التحول الرقمي وتحقيق التنمية المستدامة في مصر.

تعليم اللغة الصينية يتوسع في الجامعات والمدارس المصرية

يشهد تعليم اللغة الصينية في مصر توسعًا ملحوظًا، إذ يضم القطاع الجامعي، وفقًا للبيانات الواردة في المادة، 36 قسمًا للغة الصينية في 14 جامعة مصرية، إلى جانب ثلاثة معاهد كونفوشيوس وفصلين تابعين لها، بما يعكس اتساع الاهتمام باللغة الصينية في مختلف أنحاء البلاد.

وتتيح أقسام اللغة الصينية لخريجيها فرصًا مهنية في عدد من المجالات، من بينها الإرشاد السياحي، والعمل في الشركات الصينية العاملة في مصر، وتدريس اللغة الصينية داخل البلاد وفي دول الخليج، فضلًا عن العمل في البعثات الدبلوماسية بالصين وغيرها من المجالات التي تتطلب إتقان اللغة والتعرف على الثقافة الصينية.

وتعود البدايات الأكاديمية لتدريس اللغة الصينية في مصر إلى عام 1958، عندما افتتحت جامعة عين شمس أول فصولها لتعليم اللغة، قبل أن تستأنف نشاطها عام 1977 بافتتاح قسم متخصص، أصبح من بين الأقسام الرائدة في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي عام 2007 تعاونت جامعة القاهرة مع جامعة بكين لتأسيس معهد كونفوشيوس، الذي أصبح من المؤسسات البارزة في تعليم اللغة الصينية في مصر وشمال أفريقيا.

وعلى مستوى التعليم قبل الجامعي وقّع مركز التعاون والتبادل اللغوي بين الصين والدول الأجنبية التابع لوزارة التعليم الصينية، في سبتمبر 2020، مذكرة تفاهم مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية، أُدرجت بموجبها اللغة الصينية ضمن منظومة التعليم الحكومي بوصفها لغة أجنبية ثانية اختيارية في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية.

وشمل التعاون إعداد الكتب المدرسية وتطوير المناهج وتأهيل المعلمين، فيما تُدرّس اللغة الصينية حاليًا مادة اختيارية في 41 مدرسة حكومية موزعة على 10 محافظات مصرية.

وفي عام 2026 تقرر إدراج اللغة الصينية ضمن منظومة امتحانات الثانوية العامة بوصفها لغة أجنبية ثانية، مع إتاحتها مادة اختيارية في الصف الأول الثانوي ومادة إلزامية في الصف الثاني الثانوي، وفقًا للمعلومات الواردة في المادة.

جسر اللغة الصينية.. منصة لاكتشاف المواهب المصرية

تؤدي مسابقة جسر اللغة الصينية دورًا في إبراز إنجازات الطلاب المصريين في تعلم اللغة وتشجيع انتشارها وتقديم نماذج متميزة للمتعلمين، إلى جانب تعزيز التواصل والتفاهم بين الشعبين.

وحقق متسابقون مصريون نتائج بارزة في دورات سابقة، إذ حصل ذا وي على المركز الثاني عالميًا في الدورة الخامسة عشرة من مسابقة جسر اللغة الصينية لطلاب الجامعات، بينما فازت شي يو باللقب العالمي في الدورة الثامنة عشرة من المسابقة، وحصل هوا شياو ون على المركز الثالث عالميًا في الدورة الخامسة عشرة من مسابقة جسر اللغة الصينية لطلاب المدارس الثانوية.

وتعكس هذه المشاركات اهتمام الشباب المصري بتعلم اللغة الصينية، كما تتيح فرصًا للتواصل الثقافي وتبادل الخبرات وتعزز حضور الطلاب المصريين في الفعاليات التعليمية الدولية.

ورش لوبان تعزز التعاون في التعليم الفني والتدريب المهني

يمثل التعليم الفني والتدريب المهني أحد أبرز مسارات التعاون المصري الصيني من خلال ورش لوبان التي تستهدف نقل الخبرات التقنية وتأهيل الشباب وفقًا لاحتياجات سوق العمل.

وشهد التعاون إطلاق مبادرة «دولة واحدة وورشتان»، من خلال ورشة لوبان بجامعة عين شمس وورشة لوبان بالمدرسة الفنية المتقدمة لتكنولوجيا الصيانة بالقاهرة، بمشاركة مؤسسات تعليمية صينية ومصرية، من بينها كلية الياسمين الصينية للصناعات الخفيفة المهنية وكلية تيانجين للنقل المهني.

وأُدرجت المعايير التعليمية للتخصصات المهنية التي تقدمها الورشتان ضمن منظومة التعليم الوطني المصري، فيما تشمل البرامج تكنولوجيا تطبيقات الطاقة الجديدة وتشغيل السيارات وصيانتها والتحكم الرقمي بالحاسوب.

كما جرى العمل على إنشاء مسار تعليمي مترابط يربط بين التعليم الفني الثانوي والتعليم الفني العالي والتعليم الجامعي، بما يتيح للطلاب تطوير مهاراتهم بصورة تدريجية ويعزز فرص الاستفادة من التجربة في دعم التعاون الصيني الأفريقي بمجال التعليم المهني.

وامتد التعاون إلى إنشاء أكاديميات متخصصة، من بينها أكاديمية تشونغتشينغ وأكاديمية البانيو في المعهد العالي للنقل، وأكاديمية بان مو بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وفقًا للبيانات الواردة في المادة.

كلية مشتركة بين جامعتي ووهان وبنها لتأهيل الكفاءات

يمثل التعاون في التعليم العالي محورًا آخر للشراكة بين مصر والصين، لا سيما في مجال إعداد الكوادر المتخصصة في القطاعات التي ترتبط باحتياجات التنمية.

وفي سبتمبر 2025 وافق مجلس الوزراء المصري على إنشاء كلية الدراسات العليا المشتركة بين جامعتي ووهان وبنها، لتكون أول مؤسسة مشتركة بين الجامعات المصرية والصينية متخصصة في التأهيل المشترك للكوادر عالية المستوى.

وبدأت الكلية استقبال الطلاب عام 2026 من خلال أربعة مسارات رئيسية في مرحلتها الأولى، تشمل الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والأعمال الدولية وعلوم التمريض والتخصصات الهندسية، بما يستهدف تلبية احتياجات مصر وأفريقيا من الكفاءات المتخصصة.

ويعتمد نظام الدراسة على نموذج الشهادتين المزدوجتين بحيث يحصل الطلاب بعد استكمال متطلبات الدراسة على درجة الماجستير أو الدكتوراه من جامعتي بنها وووهان، كما تجري مباحثات بين جامعات مصرية وصينية أخرى بشأن إطلاق برامج مشتركة لتأهيل الكوادر.

تنمية الموارد البشرية ضمن برامج التعاون الصيني

يمتد التعاون المصري الصيني إلى برامج تنمية الموارد البشرية في إطار المساعدات الخارجية الصينية التي تستهدف دعم القدرات التنموية للدول الشريكة من خلال نقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا انطلاقًا من مبدأ أن بناء القدرات وتطوير المهارات يمثلان استثمارًا طويل الأجل في التنمية.

وتشمل هذه البرامج دورات تدريبية وندوات للمسؤولين الحكوميين وبرامج للحصول على مؤهلات ودرجات علمية أثناء الخدمة إلى جانب تدريب الكوادر الفنية في مجالات متعددة من بينها السياسة والدبلوماسية والإدارة العامة والتنمية الوطنية والزراعة والحد من الفقر والصحة والتعليم والبحث العلمي والثقافة والرياضة والنقل.

وبدأت الصين برامج التعاون في تنمية الموارد البشرية عام 1953 فيما شهدت الفترة الممتدة من خمسينيات القرن العشرين إلى سبعينياته توجه متدربين من مصر ودول أخرى إلى الصين للتعلم والتدريب في قطاعات متنوعة شملت الزراعة والغابات والموارد المائية والصناعات الخفيفة والمنسوجات والنقل والصحة.

ومنذ عام 1981 تعاونت الصين مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتنظيم دورات في التقنيات التطبيقية للدول النامية قبل أن تبدأ الحكومة الصينية عام 1998 تنظيم دورات تدريبية للمسؤولين الحكوميين مع التوسع في القطاعات المستفيدة ومجالات التدريب وأعداد المشاركين.

وخلال السنوات الأخيرة اتسع نطاق البرامج المقدمة لمصر وتنوعت مجالاتها لتشمل دورات تدريبية وندوات ثنائية ومتعددة الأطراف إلى جانب إتاحة فرص للطلاب المصريين لاستكمال دراساتهم العليا في الجامعات الصينية بما يعزز تبادل الخبرات ويسهم في تطوير القدرات البشرية.

الدراسة في الصين.. فرص أكاديمية وتخصصات متنوعة

تعد الدراسة في الصين إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التبادل التعليمي والثقافي بين البلدين إذ تتنوع الفرص المتاحة أمام الشباب المصري بين المنح الحكومية الصينية وبرامج التعاون بين الجامعات والمنح المخصصة لمعلمي اللغة الصينية الدوليين.

وتشمل التخصصات التي يمكن للطلاب المصريين دراستها اللغة الصينية والزراعة والهندسة والطب وتكنولوجيا المعلومات والطاقة الجديدة إلى جانب مجالات أخرى ترتبط بالتطور العلمي والتكنولوجي واحتياجات سوق العمل.

وتتضمن آليات التقدم لمنح لجنة المنح الدراسية الصينية مسارين رئيسيين؛ الأول هو برنامج «Type A» المخصص لكل دولة ويجري التقدم إليه من خلال ترشيح السفارة الصينية في مصر ووزارة التعليم العالي المصرية وفق الحصص المخصصة لكل دولة ويتيح فرصًا لمراحل دراسية مختلفة.

أما المسار الثاني فهو برنامج «Type B» الذي يتيح التقدم مباشرة إلى الجامعات الصينية حيث تتولى كل جامعة فحص طلبات المتقدمين واختيار المقبولين وفق إجراءاتها ومعاييرها.

وتعكس هذه المسارات تنوع أدوات التعاون التعليمي بين مصر والصين من تدريس اللغة والتبادل الثقافي إلى التدريب المهني والبحث العلمي والدراسات العليا بما يفتح المجال أمام إعداد أجيال جديدة قادرة على تعزيز العلاقات الثنائية والمشاركة في مشروعات التنمية.

ومع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يظل التعليم وتنمية الموارد البشرية من المجالات التي تجمع بين البعد الثقافي والاحتياجات الاقتصادية والتكنولوجية وتوفر قاعدة لتوسيع الشراكة المصرية الصينية في السنوات المقبلة.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#التعليم والثقافة#العلاقات المصرية الصينية#اللغة الصينية#مصر والصين#ورش لوبان