
بقلم السعيد حمدي.
مصر تعيد ضبط المشهد وتحيي مفهوم الأمة.
منذ سنوات بدأت محاولات إسرائيلية مدعومة أمريكيًا بقوة للعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حتى وصل الأمر إلى الحديث عن شرق أوسط جديد تتزعمه إسرائيل، وذلك على لسان قادتها.
وكان ذلك أمرًا مستفزًا للغاية، إذ تطمح دولة صغيرة الحجم، أقيمت على أرض احتلتها من فلسطين العربية، إلى إعادة تشكيل منطقة تضم دولا تنتمي إلى أعرق وأعظم الحضارات التي عرفتها البشرية.
استغلت إسرائيل كل فرصة، وبدأت في استخدام سياسة فرق تسد للقضاء على ما تبقى من مفهوم الأمة لدى العرب والذي شهد تراجعا كبيرا لدى البعض خلال السنوات الأخيرة بكل أسف.
وكانت مصر تقف بثبات وسط كل ذلك، تتحلى بصبرها وحكمتها، وتعمل على لملمة الشمل قدر الإمكان، لإدراكها أنها رمانة الميزان والكبيرة في أمتها، ولابد أن تتحمل مسؤوليتها.
ظل المشهد يصب في مصلحة المخطط الإسرائيلي حتى اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والتي جاءت في إطار تصعيد عسكري واسع بالمنطقة، وسط رهانات على إسقاط النظام الإيراني، وتغيير شكل الحكم هناك بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
لكن المواجهة لم تسر وفقا للحسابات التي راهن عليها أصحاب هذا التصور، وتحولت إلى مستنقع وجد ترامب نفسه فيه ولا يستطيع الخروج منه أو حتى حسم الأمر، وذلك بعدما جره نتنياهو لمواجهة ظن أنها نزهة سريعة، وكانت النشوى التي يعيشها بعد ما فعله في فنزويلا تسيطر عليه.
ليكتشف الحقيقة التي صدمته بشدة، بالإضافة إلى أنه صنع أزمة إقليمية معقدة، امتدت تداعياتها إلى دول المنطقة، وفرضت حسابات جديدة على الجميع.
وسط ذلك، كانت إيران ترد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بضرب قواعد وأهداف أمريكية في المنطقة، فوجدت دول الخليج نفسها أمام تهديدات أمنية متصاعدة، رغم وجود تلك القواعد على أراضي بعضها. وهنا بدأت الحسابات تتغير، وإدراك أن الوجود العسكري الأمريكي لا يعني الحماية من التهديدات، بل إن هذه القواعد نفسها أصبحت تهديدا مباشرا.
إن الأحداث الكبرى دائما ما تترك أثرها، وما بعدها لا يكون أبدا كما قبلها، وذلك ما نراه في تطورات المشهد الإقليمي، وما تفرضه من إعادة حسابات بشأن الأمن العربي والعلاقات بين دول المنطقة والقوى الدولية.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز الأزمة المرتبطة بالحوثيين وما تتعرض له السعودية من قصف أربك الحياة بها وخلف قتلى وجرحى، وفي هذا السياق، كشفت تقارير صحفية عن رفض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عرضا إسرائيليا للمشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين، وهو العرض الذي سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تمريره عبر وساطة أمريكية.
وذلك لأن الرياض تدرك جيدًا أن مثل هذه المساعدة لن تكون بلا مقابل، وأن ثمنها السياسي قد يبدأ بالموافقة على تطبيع العلاقات مع إسرائيل والانضمام إلى معاهدة إبراهام، وهو ما تسعى إليه حكومة نتنياهو بدعم من الرئيس الأمريكي.
وقد أكد ترامب هذا الاتجاه حين دعا السعودية إلى قبول المساعدة الإسرائيلية، معربا عن اعتقاده بأن فرص انضمامها إلى معاهدة إبراهام أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
هنا كانت مصر حاضرة ومطلعة بدورها وتدرك كل ما يحاك من خطط وتدابير، فجاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي المفاجئة لكثيرين خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية، ليعلن استعداد مصر للدفاع عن المملكة العربية السعودية وحمايتها إذا طلبت ذلك، مؤكدا أن التحرك المصري سيكون دفاعيا.
كما دعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للحصول على التفويض اللازم لذلك كما ينص الدستور.
ربما انزعج البعض في مصر من هذا الأمر، لعدم قبول فكرة الدخول في حرب باليمن، تخوفا من أن يتطور الأمر إلى مواجهة واسعة يستنزف فيها الجيش، لكن الحقيقة أن السيسي حرص على التأكيد أن أي تحرك مصري سيكون في إطار الدفاع عن السعودية وحمايتها، وليس الاعتداء على أي طرف.
ومن المفارقات المهمة التي لم يتم التركيز عليها بالقدر الكافي، أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التقى، في اليوم نفسه وبعد تصريحات الرئيس بوقت قليل، نظيره الإيراني عباس عراقجي في بغداد، على هامش اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، وذلك لبحث تطورات الأحداث بالمنطقة ومحاولة التوصل إلى تهدئة.
وهنا تكمن دلالة التحرك المصري؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه القاهرة استعدادها للدفاع عن السعودية عسكريا إذا طلبت منها ذلك، تواصل في الوقت نفسه اتصالاتها الدبلوماسية مع إيران كون جماعة الحوثي في نهاية الأمر أحد أذرعها حتى وإن تم إنكار هذا، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع اتساع نطاق المواجهة.
ولعل هذا التحرك المصري في المشهد يشبه عملية جراحية دقيقة لضبطه من جديد، بعد ما أصابه من تخبط وضبابية وتيه في بعض الأحيان، فالقاهرة تدرك أن حماية الأمن العربي لا يتحقق بالتصعيد وحده، وإنما تحتاج أيضا إلى تحركات سياسية قادرة على احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة.
إن مصر تدرك أن أمن السعودية والخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن ترك المنطقة لمزيد من الصراعات لن تكون عواقبه في صالح أحد.
ولذلك، فإن التحرك المصري يجمع بين الاستعداد لحماية الأشقاء والتحرك الدبلوماسي لاحتواء الأزمات، في محاولة لإعادة ضبط المشهد من جديد.
