مطاردة القرش الأحمر.. حكاية أخطر تمرد سوفياتي مر عليه 50 سنة

مطاردة القرش الأحمر.. حكاية أخطر تمرد سوفياتي مر عليه 50 سنة

قبل خمسين عامًا، شهدت البحرية السوفياتية واحدة من أخطر حوادث التمرد، حيث قاد الضابط فاليري سابلين تمردًا على متن الفرقاطة «ستوروجيفوي» بهدف استعادة المبادئ الشيوعية. بينما كانت السفينة راسية في ريغا، استغل سابلين غياب ثلث الطاقم بسبب الإجازات، واستولى على القيادة مع عدد من المتعاطفين. رغم أن خطته للإبحار إلى لينينغراد كانت طموحة، إلا أنها سرعان ما انهارت بعد إنذار غير موثوق به. ومع تصاعد الأحداث، أُمر سابلين بالعودة، لكن الأمور تطورت إلى مطاردة بحرية جادة، مما كاد يؤدي إلى كارثة نووية، حيث كانت القوات السوفياتية مستعدة لإطلاق صواريخ نووية. في النهاية، تم إنهاء التمرد، لكن الحادثة تركت آثارًا عميقة على تاريخ الاتحاد السوفياتي.

حادثة تمرد البحرية السوفياتية

قبل خمسين سنة، حصلت واحدة من أخطر حوادث التمرد في تاريخ البحرية السوفياتية، وكانت سببًا في انطلاق مطاردة كبيرة عبر بحر البلطيق شاركت فيها كل القوات الجوية والبحرية المتاحة، وكادت تلك الحادثة وفق الشهادات اللاحقة أن تؤدي لكارثة نووية داخلية.

تفاصيل الحادثة

في 8 نوفمبر 1975، وعلى متن الفرقاطة الحديثة «ستوروجيفوي» التابعة لأسطول البلطيق، قام الضابط السياسي فاليري ميخايلوفيتش سابلين، الذي كان في السادسة والثلاثين من عمره، بإطلاق تمرد غير مسبوق.

مميزات الفرقاطة

بحسب المعلومات المتاحة، كانت السفينة، وهي من فئة "كريفاك 1" المعروفة لدى الناتو، من بين أكثر القطع البحرية تقدمًا في ذلك الوقت، وكانت مزودة بصواريخ مضادة للغواصات، ووسائل للدفاع الجوي، وطوربيدات، ومدافع عيار 76 ملم.

دوافع سابلين

وعلى عكس ما تم تصويره في الرواية الأمريكية «القرش الأحمر» لتوم كلانسي، والتي استلهمت جزئيًا من تلك الحادثة، لم يكن سابلين يسعى للانشقاق إلى الغرب، بل كان يهدف لاستعادة «المبادئ الأصيلة» للثورة الشيوعية، معتقدًا أن نظام بريغنيف قد انحرف عن الماركسية.

خطة سابلين

استغل سابلين أجواء الاحتفال بذكرى ثورة 1917 بينما كانت السفينة راسية في مدينة ريغا، ومع وجود ثلث الطاقم في إجازة، سيطر مع بحار شاب يُدعى ألكسندر شين وبعض المتعاطفين على القائد واحتجزوا الضباط المعترضين.

الهدف من التمرد

كان هدفه الأصلي هو الإبحار إلى لينينغراد والرسو بجوار الطراد التاريخي «أورورا» لإطلاق دعوة لانتفاضة شعبية، لكن الخطة انهارت بعد فرار اثنين من أفراد الطاقم عبر عوامة ربط، وإطلاقهما إنذارًا لم يُؤخذ بجدية في البداية.

تغيير الاتجاه

عندما أدرك سابلين أن أمره قد كُشف، غيّر وجهته نحو المياه الدولية لبث رسالة تدعو إلى «ثورة جديدة».

بداية المطاردة

أبحرت «ستوروجيفوي» بصمت راداري وراديوي، مما جعلها بطيئة وضعيفة الملاحة، لكنها تمكنت من الخروج إلى خليج ريغا حوالي الساعة 2:50 صباحًا، ولم تتحرك البحرية السوفياتية على الفور بسبب الانشغال بالاحتفالات وما رافقها من إفراط في شرب الكحول

بدء المطاردة

بعد 45 دقيقة بدأت المطاردة، وسرعان ما ترجّح لدى القيادة أنها محاولة انشقاق، وتم إرسال زوارق سريعة من ليبايا، وتواصلت زوارق حرس الحدود مع السفينة وأمرت بالتوقف، لكن سابلين تجاهل التعليمات، فأُعطيت أوامر بإطلاق النار، لكن القرار ألغي بعد تدخل موسكو.

رسائل مشفرة وذعر في الكرملين

بعث سابلين رسالة مشفرة لقائد البحرية يطالب فيها باعتبار السفينة «أرضًا حرة»، والسماح لها بالبث التليفزيوني والإذاعي، وضمان رسو آمن، لكن تلك المطالب رُفضت وطُلب منه العودة.

محاولة البث

حاول سابلين بث رسالته على قناة مفتوحة، لكن عامل اللاسلكي استخدم قناة الاتصال المشفرة دون علمه، مما أدى لفشله في إيصال الرسالة.

قلق القيادة

عند الساعة السادسة صباحًا، أُيقظ ليونيد بريجنيف وأبلغ بالأزمة، وكان هاجسه الأكبر هو عدم وقوع الفرقاطة المتطورة في يد الغرب، فأصدر أمرًا واضحًا بتدمير السفينة بأي ثمن.

اقتراب الكارثة

أُرسلت طائرتان من طراز إليوشن-38 لرصد السفينة وحددتا موقعها حوالي الساعة 8:05، ثم صدرت أوامر لقاذفات من طراز تو-16كيه وتو-10 كيه بالإقلاع من قاعدة «بيخوف»

تنفيذ الهجوم

أقلعت تسع طائرات عند 8:30، وحلقت فوق السفينة وأطلقت نيرانًا تحذيرية من مدافع 23 ملم، محاوِلة إجبارها على تغيير مسارها، وبحلول 10:05، كانت «ستوروجيفوي» تتجه غربًا نحو جزيرة جوتلاند السويدية، مما زاد من مخاوف القيادة من محاولة انشقاق

الفوضى تتصاعد

زادت الفوضى حين تدخلت قاذفات من طراز ياك-28 من قاعدة توكومس، فقامت بخطأ كارثي بقصف سفينة شحن سوفياتية، ثم استهدفت بالخطأ فرقاطة أخرى من طراز «ريغا» كانت تطارد السفينة المتمردة.

لحظات حاسمة

داخل «ستوروجيفوي»، أدرك أفراد الطاقم أن الهجوم وشيك، وبادروا إلى تحرير القبطان وضباط القيادة، الذين اقتحموا الجسر واعتقلوا سابلين بعد إصابته في ساقه، ثم أبلغوا موسكو بانتهاء التمرد.

خطر الصواريخ النووية

لكن الخطر لم ينتهِ بعد، فقد كان أحد الطيارين، الكولونيل أرخيب سافينكوف، يستعد لإطلاق صاروخه النووي، وتشير الروايات إلى أنه إما لم يتلقَّ أوامر بوقف الهجوم أو تجاهلها، أو أنه رفض عمدًا إطلاق سلاح نووي على سفينة سوفياتية، وبعد دقيقتين مرهقتين من الانتظار، أعلن عن «عطل في الرادار» وأوقف الهجوم، مما يُعتقد أنه أنقذ الوضع من كارثة محققة.

النهاية المأساوية

عند الساعة 11:00، وصلت الفرقاطة «كومسوموليتس ليتفي»، رغم تعرضها لقصف بالخطأ، وتمكنت من السيطرة على «ستوروجيفوي»، وتم اقتياد الطاقم إلى ريغا للتحقيق، وأُوقف 12 بحارًا بينهم سابلين وشين

إخفاء الحقائق

عملت القيادة السوفياتية على إخفاء الحادثة، فتم تدمير وثائق كثيرة، لكن تسريبات لاحقًا، خصوصًا من الاستخبارات السويدية، كشفت أجزاءً من القصة.

العقوبات

حُكم على شين بالسجن، فيما أُعدم سابلين بتهمة الخيانة في أغسطس 1976، وأُطلق سراح بقية المشاركين لاحقًا.

إرث الحادثة

بعد مرور نصف قرن، أصبح واضحًا أن خطة سابلين كانت محكومة بالفشل منذ البداية، لكنها وضعت الاتحاد السوفياتي على حافة كارثة نووية ذاتية، إذ لم يفصلها عن إطلاق صاروخ نووي على سفينته سوى دقائق معدودة.

أما الكولونيل سافينكوف، الذي يُعتقد أنه منع الكارثة، فقد عاش بقية حياته داخل المؤسسة العسكرية وهو موضع شك دائم، في مفارقة تجسد طبيعة الحقبة السوفياتية ذاتها.

Google News تابعوا آخر أخبار إقرأ نيوز عبر Google News
واتساب اشترك في قناة إقرأ نيوز على واتساب
تيليجرام انضم لقناة إقرأ نيوزعلى تيليجرام