أرست محكمة النقض مبدأً قضائيًا مهمًا مفاده أن كون المريض واعيًا ومدركًا وقت توقيع التصرف لا يمنع اعتباره صادرًا في مرض الموت وقابلاً للإبطال، إذا كان المرض شديدًا ويغلب معه الهلاك وانتهى بوفاة المريض.
وجاء ذلك في حكمها الصادر في الطعن رقم 16156 لسنة 94 قضائية، إذ نقضت حكمًا برفض دعوى أقامها ورثة للطعن على تنازلات حررها مورثهم لحفيديه القاصرين قبل وفاته بنحو شهر.
تنازلات قبل الوفاة بشهر والورثة يطعنون عليها
تعود وقائع القضية إلى إقامة عدد من الورثة دعوى أمام محكمة سوهاج الابتدائية، طالبوا فيها بإبطال عقود تنازلات مؤرخة 14 يونيو 2015، وقالوا إن مورثهم حررها لصالح حفيديه القاصرين بقصد حرمانهم من الميراث، وتمسكوا بأن التصرفات تمت دون سداد ثمن حقيقي وخلال مرض الموت.
وأوضح الورثة أن مورثهم كان يعاني من سرطان الكبد ومضاعفاته، وأنه توفي في 15 يوليو 2015، أي بعد تحرير التنازلات بنحو شهر، كما طعنوا بالتزوير على أحد العقود محل النزاع، ورفضت محكمة أول درجة الدعوى والادعاء بالتزوير، ثم أيدت محكمة الاستئناف هذا القضاء، فطعن الورثة على الحكم أمام محكمة النقض.
التقارير الطبية تكشف طبيعة مرض المورث
استندت محكمة النقض إلى ما ورد بتقريري مصلحة الطب الشرعي المقدمين في الدعوى، واللذين أثبتا أن المورث كان يعاني من تليف وسرطان بالكبد، واستسقاء بالبطن، وتضخم بالطحال، ونوبات من الغيبوبة الكبدية، وأنه كان يتلقى العلاج من مرض الكبد منذ 2 مايو 2015، وخلص التقريران، وفقًا لما أورده الحكم، إلى أن الحالة المرضية كانت خطيرة وتعد مرض موت من الناحية الطبية، وأن التنازلات تمت خلال فترة معاناة المورث من تلك الحالة.
ورأت محكمة النقض أن الحكم السابق طرح دلالة التقارير الطبية، وأقام قضاءه على أن المورث كان واعيًا ومدركًا وقت تحرير العقود، وأن مرضه لم يؤثر في إرادته، دون أن يراعي أن سلامة الإدراك لا تنفي بذاتها توافر مرض الموت.
محكمة النقض: الوعي والإدراك لا يمنعان تطبيق أحكام مرض الموت
وأكدت المحكمة أن مرض الموت هو المرض الشديد الذي يعجز فيه المريض عن القيام بمصالحه العادية، ويغلب فيه الهلاك، ويشعر معه بدنو أجله، ثم ينتهي بالوفاة، ويتعين على محكمة الموضوع التحقق من توافر هذه الشروط عند بحث طبيعة التصرف.
وشددت على أن اعتبار التصرف صادرًا في مرض الموت لا يشترط أن يؤدي المرض إلى فقدان الإدراك أو نقص أهلية المريض للتصرف، ومن ثم فإن ثبوت الوعي وقت تحرير العقد لا يكفي وحده لاستبعاد تطبيق المادة 916 من القانون المدني، وبناءً على ذلك رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه خالف القانون وأخطأ في تطبيقه، بما يستوجب نقضه دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
ماذا قررت محكمة النقض؟
قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه، مع إحالة القضية إلى محكمة استئناف أسيوط مأمورية سوهاج، وبذلك لا يعني الحكم إبطال التنازلات نهائيًا أو الفصل بحسم في استحقاق الورثة للأنصبة المتنازع عليها، وإنما أعاد القضية إلى محكمة الاستئناف لإعادة نظرها من جديد.
