يفتح فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة صفحة جديدة في علاقات برازيليا بواشنطن، في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتتجه فيه حكومات عدة في أمريكا اللاتينية نحو اليمين.
وحقق لولا عودة انتخابية لافتة، بعدما تغلب على منافسه اليميني فلافيو بولسونارو في جولة الإعادة، حاصدا 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه، وفق النتائج النهائية للمحكمة الانتخابية العليا البرازيلية.
وحسب تقرير لـ CNN، يقتصر أثر النتيجة على الداخل البرازيلي، إذ تعني استمرار قيادة يسارية لأكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، بما يحمله ذلك من تداعيات على مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز نفوذ واشنطن في المنطقة.
السيادة البرازيلية في مواجهة ضغوط واشنطن
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين لولا وترامب في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط البرازيل بالولايات المتحدة، فالرئيس البرازيلي يتمسك باستقلالية القرار الوطني، ويسعى إلى تجنب إخضاع خيارات بلاده التجارية والسياسية لحسابات القوى الكبرى.
وقد برز هذا التباين في الخلافات التجارية، بعدما فرضت واشنطن رسومًا جمركية على منتجات برازيلية، ما دفع الحكومة في برازيليا إلى التفاوض بشأن سبل معالجة النزاع، مع إبقاء خيارات الرد مفتوحة.
لكن لولا لا يتبنى بالضرورة سياسة مواجهة شاملة مع الإدارة الأمريكية؛ إذ يسعى إلى الموازنة بين الدفاع عن المصالح الوطنية والحفاظ على قنوات التواصل مع واشنطن.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع ارتباط الاقتصاد البرازيلي بأسواق متعددة، وفي مقدمتها السوق الأمريكية والصين، الشريك التجاري الأكبر للبلاد.
الصين ومعركة النفوذ الاقتصادي
تضع العلاقة الوثيقة بين برازيليا وبكين لولا أمام اختبار إضافي في ظل سعي واشنطن إلى تقليص اعتمادها على الصين، خصوصا في المعادن الاستراتيجية والعناصر الأرضية النادرة.
وتمنح الموارد الطبيعية البرازيلية ومكانتها التجارية الحكومة هامشا للتفاوض مع الطرفين، لكن هذا الهامش لا يلغي مخاطر تصاعد الضغوط الأمريكية، ولا سيما إذا ارتبطت التجارة بالوصول إلى المعادن الحيوية أو بمستقبل الاستثمارات الصناعية.
ومن ثم، ستكون قدرة لولا على تنويع الشراكات الاقتصادية من دون الإضرار بالعلاقات مع واشنطن أحد محددات سياسته الخارجية خلال الولاية المقبلة.
انتصار انتخابي لا يضمن نفوذا إقليميا واسعا
على المستوى الإقليمي، يوقف فوز لولا مؤقتا سلسلة من المكاسب التي حققتها قوى يمينية في دول أمريكا اللاتينية، لكنه لا يعني عودة الظروف التي ساعدت اليسار على بناء تحالفات واسعة في مطلع الألفية.
فقد تغيرت خريطة الحكومات في المنطقة، وأصبح لولا مطالبا بالاعتماد بصورة أكبر على الثقل الاقتصادي للبرازيل والتجارة والاستثمارات، بدلا من التعويل على التقارب الأيديولوجي وحده.
كما أن انتصاره لا يحسم الصراع السياسي داخل بلاده؛ إذ يواجه كونغرسا يتمتع فيه اليمين بنفوذ كبير، إلى جانب تحديات تتعلق بتكلفة المعيشة والديون والأمن العام.
اختبار الولاية الرابعة
تبدأ معركة لولا المقبلة من قدرته على تحويل الفوز الانتخابي إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة، بالتوازي مع إدارة علاقاته مع ترامب وبكين وحكومات المنطقة.
وفي هذا السياق، لن يكون التحدي مجرد تجنب التصعيد مع واشنطن، بل الحفاظ على استقلالية القرار البرازيلي من دون تعريض المصالح التجارية والاستثمارية للبلاد لمخاطر غير محسوبة.
وبين ضغوط الولايات المتحدة وشراكتها الاقتصادية مع الصين، يجد لولا نفسه أمام اختبار مزدوج: تثبيت مكانة البرازيل قوة إقليمية مستقلة، وإثبات أن الفوز بولاية رابعة يمكن أن يتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام، في منطقة تتغير تحالفاتها وتتزايد فيها المنافسة على النفوذ.
