إيران-تحالف-المصالح-بين-cqQE.jpg" data-src="https://gazfina.com/proxy.php?url=https%3A%2F%2Fcdn.cairo24.com%2FUploadCache%2Fphoto%2Fwriters%2F0%2F0%2F70x80o%2F165.jpg" alt="إبراهيم الدراوي">
إبراهيم الدراوي.
ترامب ونتنياهو وإيران.. تحالف المصالح بين حسابات الانتخابات ومخاطر المواجهة الكبرى.
لا يبدو الدعم الذي يقدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد انحياز سياسي لحليف وثيق، أو محاولة لمساندة زعيم يخوض معركة انتخابية صعبة، وإنما يعكس تداخلًا معقدًا بين الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل والولايات المتحدة، ومستقبل المواجهة مع إيران، وحدود استخدام القوة العسكرية، وشروط أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران.
تحالف المصالح بين حسابات الانتخابات ومخاطر المواجهة الكبرى
ففي 18 أكتوبر الجاري، أعلن ترامب تأييده الصريح لإعادة انتخاب نتنياهو، واصفًا إياه بأنه قائد قوي وشريك في مواجهة إيران، ومطالبًا الإسرائيليين بمنحه فرصة جديدة لقيادة الحكومة.
ولم يأتِ هذا الدعم بمعزل عن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير الماضي، بل ارتبط بها مباشرة في خطاب الرئيس الأمريكي، الذي تحدث عن ضرورة استكمال المهمة التي بدأها البلدان.
وبذلك، تجاوز الموقف الأمريكي حدود المجاملة السياسية ليصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، وإن كان من الصعب الجزم بأن الملف الإيراني يمثل الدافع الوحيد وراء تأييد ترامب لنتنياهو.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة مع إجراء انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، في ظل منافسة حادة بين معسكر نتنياهو والقوى المعارضة له، وفي مقدمتها التحالف الذي يقوده غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق.
وتشير استطلاعات الرأي المنشورة قبيل الاقتراع إلى صعوبة حصول أي من المعسكرين على أغلبية برلمانية مستقرة، بما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة، أو استمرار حالة الجمود السياسي إذا عجزت القوى المتنافسة عن تشكيل حكومة.
ولا ينبغي هنا الخلط بين نتيجة الانتخابات وإمكان تشكيل الحكومة؛ فالإسرائيليون يصوتون للقوائم الحزبية، بينما يتوقف تحديد رئيس الحكومة عمليًا على قدرة الأحزاب على بناء ائتلاف يحظى بأغلبية أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضوًا.
ولذلك، فإن خسارة نتنياهو عددًا من المقاعد، إن حدثت، لا تعني بالضرورة خروجه الفوري من السلطة، مثلما أن تقدم منافسيه في استطلاعات الرأي لا يضمن قدرتهم على تشكيل حكومة بديلة.
وقد أبرزت تغطية رويترز في 27 أكتوبر هذه المعضلة، مشيرة إلى أن كلا المعسكرين يواجه تحديات في الوصول إلى أغلبية حاكمة.
ومن هنا، يمكن قراءة دعم ترامب باعتباره تعبيرًا عن تفضيله استمرار التعامل مع شريك يعرف توجهاته، ويمتلك معه قنوات اتصال مباشرة وخبرة سابقة في التنسيق بشأن الملفات الإقليمية.
لكن هذا التفضيل لا يعني أن نتنياهو هو الشريك الإسرائيلي الوحيد القادر على التعاون مع واشنطن في مواجهة إيران، ولا أن أي قيادة إسرائيلية جديدة ستتبنى بالضرورة نهجًا مختلفًا جذريًا تجاه طهران.
فالتباين المحتمل قد يتعلق بتوقيت العمليات العسكرية، وشروط التفاوض، وترتيب الأولويات، وآليات التنسيق مع البيت الأبيض، أكثر مما يتعلق بالخلاف على اعتبار إيران تهديدًا استراتيجيًا.
واللافت أن ترامب نفسه يواجه معادلة شديدة التعقيد.
فمن جهة، يسعى إلى تقليص القدرات الإيرانية التي تعتبرها واشنطن تهديدًا لأمنها ومصالحها ومصالح حلفائها، ومن جهة أخرى، يدرك أن استمرار الحرب يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية وعسكرية متزايدة، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر المقبل.
وقد أشار ترامب في 8 أكتوبر إلى أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل تلك الانتخابات، متحدثًا عن وجود مناقشات مع طهران لإنهاء الحرب، مع استمرار الضغط الأمريكي عليها.
غير أنه عاد في 23 أكتوبر إلى التلويح بإمكان تنفيذ عملية عسكرية أخرى، من دون أن يعلن قرارًا نهائيًا باستئناف الهجمات.
ويعكس هذا التباين بين الحديث عن المحادثات والإبقاء على الخيار العسكري سياسة تجمع بين الضغط ومحاولة الوصول إلى تسوية، لكنه لا يكشف وحده عن الشروط التي يمكن أن تقبل بها واشنطن لإنهاء الصراع.
وتزداد هذه المعادلة حساسية في ضوء التداعيات الاقتصادية للحرب، التي تسببت في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الضغوط على المستهلكين والاقتصادات الإقليمية.
وقد أشار تقرير لرويترز في 8 أكتوبر إلى أن ارتفاع أسعار الوقود بات يمثل عبئًا سياسيًا على الإدارة الأمريكية، في وقت يواجه فيه الجمهوريون اختبارًا انتخابيًا للحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.
ومن ثم، فإن تكلفة الحرب لا تقتصر على الإنفاق العسكري أو المخاطر الأمنية، وإنما تمتد إلى قدرة الإدارة على إقناع الناخب الأمريكي بأن سياستها تجاه إيران تحقق نتائج ملموسة تستحق ما تفرضه من أعباء.
لكن الاعتبارات الانتخابية لا تقود بالضرورة إلى التهدئة في جميع الأحوال.
فقد يرى ترامب أن تجنب حرب طويلة يخدم مصالحه الداخلية، بينما يرى في الوقت نفسه أن استمرار الضغط أو تنفيذ عملية عسكرية محدودة قد يساعده على انتزاع تنازلات إيرانية أو تعزيز موقفه التفاوضي.
ولذلك، فإن المسألة لا تتعلق بالاختيار البسيط بين الحرب والسلام، وإنما بتحديد المستوى الذي تعتقد الإدارة الأمريكية أنه يحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التهديد العسكري باعتباره إحدى أدوات المساومة القسرية، التي تسعى من خلالها الدولة إلى تغيير سلوك خصمها أو دفعه إلى تقديم تنازلات من دون تحمل تكاليف حرب مفتوحة بالضرورة.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية ليس مضمونًا؛ فقد يدفع الضغط طهران إلى التفاوض، وقد يدفعها أيضًا إلى التشدد أو الرد العسكري إذا خلصت قيادتها إلى أن التنازلات لن تضمن وقف الهجمات أو تخفيف الضغوط.
ومن ثم، فإن الاحتفاظ بالخيار العسكري لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية، كما أن استمرار الاتصالات الدبلوماسية لا يعني أن التسوية باتت وشيكة.
أما نتنياهو، فيخوض الانتخابات اليوم في ظل تداعيات سياسية وأمنية ممتدة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي فجر أزمة بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية، وأعقبه مسار من الحروب والعمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران.
وفي هذه الانتخابات، الأولى منذ ذلك الهجوم، يسعى نتنياهو إلى الدفاع عن سجله في إدارة المواجهة الإقليمية، مقدمًا نفسه باعتباره القائد القادر على التعامل مع التهديدات الأمنية، ومستندًا في خطابه إلى علاقته الوثيقة بترامب وإلى ما يصفه بأهمية التنسيق الاستراتيجي مع واشنطن.
غير أن هذا الرهان يواجه اختبارًا انتخابيًا لا تحسمه العلاقة مع الرئيس الأمريكي وحدها، بل تتداخل فيه أيضًا مسألة المسؤولية عن إخفاقات أكتوبر، وتكاليف الحروب، وتقديرات الناخبين بشأن مستقبل الأمن الإسرائيلي.
وقد أظهر خطاب نتنياهو عشية الانتخابات مدى أهمية العلاقة مع ترامب في حملته السياسية؛ إذ تحدث عن مستوى غير مسبوق من الصداقة بين رئيس وزراء إسرائيلي ورئيس أمريكي، وربط استمرار التعاون بينهما بإمكان استكمال المواجهة مع إيران.
كما قال إن ترامب مستعد للتحرك مجددًا لإزالة ما وصفه بالتهديد الإيراني، شريطة استمرار نتنياهو في السلطة.
وتكشف هذه التصريحات عن توظيف واضح للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية في الخطاب الانتخابي، لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، أن الاعتبارات السياسية الداخلية هي المحرك الأساسي للقرارات العسكرية الإسرائيلية.
وهنا ينبغي التمييز بين استفادة نتنياهو السياسية المحتملة من المواجهة مع إيران، وبين القول إنه يسعى إلى استمرارها أساسًا من أجل البقاء في السلطة.
فالأول تفسير يمكن بحثه في ضوء خطابه الانتخابي وسعيه إلى تقديم نفسه باعتباره قائدًا أمنيًا قادرًا على مواجهة التهديدات الخارجية، أما الثاني فيتعلق بالدوافع الفعلية لاتخاذ القرار، وهي أمور لا يمكن إثباتها بمجرد تزامن العمليات العسكرية مع الانتخابات.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى المنافس الرئيسي لنتنياهو، غادي آيزنكوت، الذي يقدم نفسه باعتباره صاحب خبرة عسكرية وأمنية، وينتقد إدارة الحكومة الحالية.
فلا توجد مؤشرات كافية تسمح بالقول إن وصوله إلى السلطة سيؤدي إلى تحول جذري في الموقف الإسرائيلي من إيران؛ فقد أكد آيزنكوت نفسه ضرورة منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، سواء عبر القوة أو من خلال ترتيبات دبلوماسية مدعومة أمريكيًا.
ومن ثم، فإن الاختلاف المحتمل بينه وبين نتنياهو قد يتعلق بآليات إدارة الصراع، وشروط التسوية، والعلاقة مع الشركاء السياسيين، وليس بالضرورة بالتخلي عن الأهداف الأمنية الإسرائيلية الأساسية.
كما أن المنافسة الإسرائيلية لا تجري في فراغ داخلي؛ فهناك خلافات بشأن المسؤولية عن هجوم أكتوبر، وطبيعة الائتلاف الحاكم، والإعفاءات من الخدمة العسكرية، وسياسات الحكومة تجاه الفلسطينيين، فضلًا عن تكاليف الحروب وتأثيرها في مكانة إسرائيل الدولية.
ولهذا، فإن اختزال الانتخابات في سؤال واحد يتعلق بإيران قد يحجب جانبًا مهمًا من العوامل التي تؤثر في اختيارات الناخبين، ويبالغ في تقدير قدرة ملف السياسة الخارجية على حسم النتيجة وحده.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى ترامب باعتباره مجرد داعم لنتنياهو، أو افتراض أن مصالح الرجلين متطابقة.
فقد أظهرت تقارير صحفية أمريكية أن داخل الإدارة الأمريكية آراء متباينة بشأن مستقبل العلاقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، وبشأن جدوى استمرار الاعتماد عليه في تنفيذ الأهداف الإقليمية لواشنطن.
فبعض مستشاري ترامب يرون أن المرحلة المقبلة قد تتيح فرصًا للتعامل مع قيادة إسرائيلية مختلفة، فيما نقلت “واشنطن بوست” في 26 أكتوبر نقاشات بشأن احتمال تشكيل حكومة وحدة في إسرائيل، وإن ظل هذا الخيار موضع خلاف وشكوك سياسية.
ولا تعني هذه التقارير أن الإدارة الأمريكية قررت التخلي عن نتنياهو، لكنها تشير إلى أن الموقف الأمريكي أكثر تعقيدًا من مجرد دعم شخصي غير مشروط.
ويكشف ذلك عن أن واشنطن قد تفضّل بقاء نتنياهو شريكًا لها في المرحلة الراهنة، من دون أن تعتبر استمرار قيادته شرطًا لا غنى عنه لتحقيق أهدافها في المنطقة.
فـ ترامب يسعى أيضًا إلى دفع ترتيباته السياسية المتعلقة بغزة، وتحسين فرص التفاهمات الإقليمية، وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية الأمريكية.
وإذا اعتقد البيت الأبيض أن بعض السياسات الإسرائيلية تعرقل تحقيق هذه الأهداف، فقد تتباين حساباته مع حسابات نتنياهو، حتى في ظل استمرار التعاون الأمني بين الطرفين.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بما إذا كان ترامب يريد إنقاذ نتنياهو انتخابيًا، بل بمدى استعداد الرئيس الأمريكي لمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي حرية الحركة في تحديد مستقبل الحرب مع إيران.
فقد يتفق الطرفان على ضرورة استمرار الضغط على طهران، ثم يختلفان بشأن توقيت استخدام القوة، أو شروط وقف العمليات، أو طبيعة التسوية المقبولة.
وقد ترى إسرائيل أن أي اتفاق لا يعالج بصورة كافية القدرات النووية والعسكرية الإيرانية يترك جانبًا من التهديد قائمًا، بينما ترى واشنطن أن تسوية قابلة للتحقق قد تكون أكثر فائدة من مواصلة الحرب.
وفي الوقت نفسه، تظل إيران طرفًا فاعلًا في هذه المعادلة، وليست مجرد ساحة تتنافس فيها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
فطهران تمتلك خياراتها في التفاوض والردع والرد العسكري، وتستطيع التأثير في حسابات الطرفين من خلال تقديرها لشروط أي اتفاق، ومدى موثوقية التعهدات الأمريكية، وكلفة استمرار الصراع.
وإذا اعتقدت القيادة الإيرانية أن التصعيد سيستمر بصرف النظر عن التنازلات التي تقدمها، فقد يتراجع استعدادها لتقديم تنازلات واسعة.
أما إذا رأت أن التفاوض يتيح فرصة فعلية لوقف الحرب وتخفيف الضغوط، فقد تتغير حساباتها.
ولا يمكن الجزم بأي من المسارين من دون معرفة مضمون الاتصالات الجارية ومدى استعداد الأطراف للتوصل إلى تسوية.
وعلى هذا الأساس، تبدو المرحلة التالية للانتخابات الإسرائيلية ولقرار الناخب الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي أكثر أهمية من مجرد النتائج الانتخابية ذاتها.
فإذا اتجهت واشنطن إلى تسوية تتضمن تنازلات إيرانية قابلة للتحقق، فسيكون ذلك مؤشرًا على أن الضغط العسكري استُخدم لدعم مسار تفاوضي.
وإذا استؤنفت العمليات العسكرية، فسيصبح من الضروري فحص أهدافها المعلنة، ونطاقها، وشروط وقفها، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان على الغاية النهائية منها.
وفي تقديري، فإن الدعم الأمريكي لنتنياهو يعكس تقاطعًا بين اعتبارات التحالف الاستراتيجي والمصالح السياسية والرهانات المتعلقة بمستقبل المواجهة مع إيران، لكنه لا يثبت أن واشنطن مستعدة لخوض حرب جديدة من أجل ضمان بقائه في السلطة.
كما أن استفادة نتنياهو المحتملة من الخطاب الأمني لا تعني أن الحرب هي خياره الوحيد أو أن اعتبارات البقاء السياسي تفسر وحدها قراراته.
وهكذا، تحولت انتخابات الكنيست إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها شرعية القيادة الإسرائيلية، والحسابات الانتخابية الأمريكية، ومستقبل المفاوضات مع إيران، ومخاطر العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وقد تتقاطع مصالح ترامب ونتنياهو في الضغط على طهران، لكن هذا التقاطع لا يلغي احتمال اختلافهما حول الوسائل والغايات والتكاليف.
وفي النهاية، قد يمنح دعم ترامب نتنياهو فرصة لتعزيز موقعه السياسي، لكنه لا يضمن له الفوز أو تشكيل الحكومة، ولا يعني منحه تفويضًا مفتوحًا لتحديد مسار الحرب.
فالاختبار الحقيقي للتحالف بين الرجلين لن يكون في التصريحات الانتخابية وحدها، بل في القرارات التي ستتخذ بعد الانتخابات، وفي مدى قدرة واشنطن وتل أبيب على التوفيق بين أهدافهما الأمنية والسياسية، وبين الرغبة في فرض شروطهما على إيران ومخاطر الانزلاق إلى صراع إقليمي طويل ومكلف.
