حفظ القرآن خلال عام.. معلم بقنا يكتب المصحف بيده في 5 أشهر: مقدرتش أمسك دموعي من الفرحة
من بين مسؤوليات العمل وأعباء الحياة اليومية، قرر حسين فؤاد محمد خليفة، معلم خبير لغة عربية بإحدى مدارس مركز أبوتشت شمالي محافظة قنا، أن يخوض رحلة استثنائية لحفظ القرآن الكريم كاملًا، رغم تجاوزه سن الأربعين، قبل أن ينتقل من الحفظ إلى كتابة آيات المصحف الشريف بيده، في رحلة استغرقت 5 أشهر، واجه خلالها تحديات صحية ومشقة كبيرة.
لم تكن لحظة إتمام حفظ القرآن الكريم مجرد نهاية لرحلة طويلة بالنسبة لحسين، البالغ من العمر 51 عامًا، بل كانت لحظة اختلطت فيها الفرحة بالدموع، بعدما اجتمع أفراد أسرته في المنزل لمشاركته تحقيق أمنية طالما راودته.

معلم بقنا يحفظ القرآن الكريم كاملا خلال عام
يستعيد حسين تلك اللحظة قائلًا لـ القاهرة 24: «لما ختمت القرآن الكريم حفظًا، بكيت أنا وأولادي كلنا في البيت، والشيخ المحفظ نفسه بكى، لأن الرحلة كانت فيها تعب ومشقة كبيرة، والحمد لله ربنا أكرمني وأتممت حفظ كتابه».
لم يبدأ حسين رحلته من الصفر، إذ سبق له حفظ 5 أجزاء خلال عامي 2011 و2012، قبل أن يتوقف فترة ويعود مجددًا عام 2015، مستعينًا بأحد زملائه في المدرسة، الذي أمضى أكثر من 10 سنوات في تحفيظ القرآن الكريم بالمسجد النبوي، وهو مجاز بالقراءات العشر.

وكان هناك موقف ظل حاضرًا في ذاكرته، عندما كان يؤم المصلين في صلاة التراويح، ووقع في خطأ أثناء قراءة إحدى الآيات، فقرر الرجوع إلى المصحف ومراجعة ما قرأه، لتكون تلك الواقعة أحد الدوافع المهمة وراء إصراره على حفظ كتاب الله على يد شيخ متخصص، مردفا: «ده كان من أهم الأسباب اللي خلتني أصر على إتمام الحفظ».
لم تكن الرحلة سهلة، فحسين لم يكن متفرغًا للحفظ، بل كان يعمل معلمًا بمدرسة أبو تشت الثانوية بنات، إلى جانب تحفيظ القرآن والمشاركة في أنشطة جمعية خيرية بقريته، فضلًا عن مسؤولياته الأسرية، ورغم ذلك خصص ساعتين يوميًا على الأقل للحفظ والمراجعة، وحرص على إتقان أحكام التجويد ومخارج الحروف وصفاتها.

ويحكي: «مكنتش محدد إني هحفظ القرآن في سنة، كنت مفوض أمري لله، حسب قدرتي مع الشيخ ممكن نحفظ ربع أو نص جزء في الحصة، لكن كان لازم يكون فيه حفظ ومراجعة كل يوم»، مؤكدا أن حفظ القرآن أحدث تغييرًا كبيرًا في حياته وطريقة تعامله مع تفاصيل يومه، كما حرص على المساهمة في بناء مسجد العائلة بمساعدة أهل الخير.

لم تتوقف طموحات حسين عند حفظ القرآن الكريم، فبعد إتمام الحفظ، راودته فكرة أن يكتب المصحف الشريف بيده، في تجربة مختلفة تتطلب قدرًا كبيرًا من التركيز والدقة والصبر.
ويقول إن الفكرة جاءت بمبادرة شخصية منه، دون اقتراح من أحد، بعدما أراد أن يجمع بين حفظ كتاب الله وكتابة آياته، وأن يتعرف بصورة أعمق على الرسم العثماني للكلمات، وطريقة كتابة المصحف الشريف، خاصة أن بعض الكلمات تختلف في رسمها داخل المصحف عن الكتابة الإملائية المعتادة.
الحالة الصحية لحسين كانت أحد أصعب التحديات، إذ يعاني من مرض الروماتويد، الذي كان يسبب له صعوبة في الجلوس لفترات طويلة، حتى إنه لم يكن يستطيع البقاء على الكرسي أكثر من نصف ساعة، لكنه اضطر إلى تحمل ساعات الجلوس والتدقيق في كتابة كل كلمة حتى أتم المصحف.
ويضيف: «أنا عندي روماتويد، وكنت زمان مقدرش أقعد نص ساعة على الكرسي، ولازم أقوم وأتحرك، لكن في كتابة المصحف كنت بقعد ساعات طويلة على الترابيزة، وده كان متعب جدًا، لكن كنت مصمم أكمل اللي بدأته».
والمفارقة التي يتحدث عنها حسين أن حالته الصحية تحسنت خلال رحلة الحفظ والكتابة، وهو ما ينسبه إلى فضل الله وبركة القرآن الكريم، بعدما وجد في رحلته معه راحة نفسية وقوة على تحمل المشقة.

وبالتوازي مع رحلته مع القرآن الكريم، حصل حسين على تكريم من وزارة التعليم السعودية بالعاصمة الرياض عام 2016، ومنحته الوزارة وساما تقديرًا لجهوده في مجال حفظ القرآن الكريم، كما حرص على التوسع في علومه ونقل ما تعلمه إلى الأطفال والطلاب.
وتكررت مشاعر الفرحة والدموع بعد الانتهاء من كتابة المصحف، إذ اجتمع حسين وأبناؤه داخل المنزل، وشاركوه كتابة الكلمات الأخيرة، في مشهد استعادوا خلاله تفاصيل رحلة طويلة من الصبر والإصرار.
ورغم تحقيقه أمنيتين طالما حلم بهما، لا يزال حسين يحمل أمنية أخرى يتمنى أن يحققها الله له، وهي أداء فريضة الحج وزيارة بيت الله الحرام برفقة زوجته، التي كانت سندًا له طوال رحلته وشاركته تفاصيلها حتى النهاية.
