
مقال تامر عبده.
اليمامة التي ماتت في الأتوبيس.
في صباح يوم السبت الأخير من مارس 2022، في مدينة «أماتيتلان» الصغيرة في دولة جواتيمالا، صحي الشاب «خوسويه جارسيا» بدري زي كل يوم. «خوسويه» كان معروف في المنطقة باسم شهرة غريب شوية، هو «تورتوليتا»، يعني «اليمامة الصغيرة»! شرب القهوة اللي أمه عملاهاله، وباس إيدها وقال لها: «دعواتك يا أمي». حط المسدس في جنبه اليمين ونزل.
على أول الشارع كان مستنيه صاحبه وشريكه «فيدال بارياس». الاتنين ركبوا أتوبيس نقل عام مليان ناس رايحين أشغالهم: عمال لسه النوم في عينيهم، وست كبيرة حاضنة شنطتها اللي فيها تمن العلاج، وطالبة بتراجع ورقة امتحان.
هوب! في نص الطريق، والأتوبيس ماشي، وقف «تورتوليتا» في الممر، وطلع المسدس وزعق وطلب من كل الركاب إن محدش يتحرك، وقال: «طلعوا من جيوبكم الفلوس والموبايلات بسرعة»!
طبعًا الناس اتخضت وبدأت تطلع اللي في جيوبها وإيديها بتترعش. العامل طلّع يومية أسبوع كامل، والست الكبيرة عيطت وهي بتسلم الشنطة بتاعتها باللي فيها، وشاب صغير في السن كان معاه فلوس هدية هيجيبها لخطيبته، لكنه سلّمها كلها لـ«تورتوليتا». كل الركاب سلّموا اللي في جيوبهم للأخ.
في آخر الأتوبيس، ورا خالص، كان فيه راكب في التلاتينات من عمره، قاعد ساكت ومحدش واخد باله منه. الراكب قام فجأة بمجرد ما «تورتوليتا» قرّب منه، وطلّع مسدس وضربه طلقة في راسه قتلته!
بالبساطة دي! أيوه، ده اللي حصل. الراكب اللي كان بيدافع عن نفسه قتل «تورتوليتا» الحرامي بمجرد ما قرّب منه!
أول ما «تورتوليتا» وقع في الممر ومات في مكانه، شريكه «فيدال» نط من باب الأتوبيس وجري، بس أول ما شاف عربيات الشرطة اللي أصلًا كانت قريبة منهم، اتلخبط ورجله اتلوت، فاتقبض عليه ومعاه مسدس عيار 38!
طبعًا حصلت حالة من الهرج والمرج، والناس نزلت مخضوضة من الأتوبيس وبقت سلطة! الغريب إن الراكب اللي ضرب النار وقتل «تورتوليتا» اختفى وسط الزحمة، ومحدش عرف هو مين!
الشرطة في بيانها قالت إن الحرامي القتيل «تورتوليتا» كان له سوابق في السرقة والمخدرات والإتاوات.
بعد 3 ساعات، وصلت أم «تورتوليتا» لمكان الحادث عشان تستلم جثة ابنها الحرامي، ووقفت قدام الكاميرات منهارة من العياط، وقالت جملة لفت العالم كله: «استيقظ ابني باكرًا ليسرق الحافلات كعادته، لكنهم قتلوه.. لم يكن يؤذي أحدًا، ولم يطلق النار على أحد، كان يسرقهم فقط! أطالب بالقبض على قاتل ابني ومحاكمته.. أريد العدالة!».
أيوه، هي طلبت كده! طلبت إن يتقبض على الراكب اللي كان بيدافع عن نفسه فقتل ابنها!
يا ست، ابنك حرامي وداخل يسرق الناس! مش مشكلة، بس برضه ما كانش ينفع الراكب يقتله! ابنك كان ماسك مسدس! مش مهم، الأهم إنه ما استخدموش. لكن هل يصح إن الراكب يطلّع مسدس هو كمان ويقتله؟!
بجاحة الأم خلّتها تبقى عامية عن بلاوي ابنها وتركز بس على البحث عن الراكب القاتل من وجهة نظرها.
أم غريبة، وحادثة غريبة، وتفاصيل في قمة العبث، واللي زوّدها غرابة هو إن بعض الناس طلعوا يتضامنوا مع الأم في طلبها، لدرجة إن بقى ليها جمهور بيدافع عن حقها في محاكمة قاتل ابنها.
أخطر مرحلة بيوصلها الإنسان مش إنه يغلط، لكن إنه يفقد الإحساس بكونه غلطان، ويبدأ يحاسب الناس إنهم مش متقبلين أذاه! الأسوأ من الأذى نفسه هو تبرير الأذى، واختراع أعذار تخلي الجلاد يعيش دور الضحية بامتياز، ويبقى مطلوب من صاحب الحق إنه يعتذر أو يفوّت أو يعدّي الأمور عادي.
في كل أنواع العلاقات، اللي ما يشوفش وجعك منه «غلطة» تستاهل الاعتذار، ما تشوفوش هو نفسه «مكسب» في حياتك يستاهل تكمل عشانه.
الاستمرار مع شخص بيشوف نفسه دايمًا صح هيخلّيه مع الوقت يبقى مرتاح تمامًا وهو بيجرح، وأنت اللي بتعتذر عن إنك بتحس.
