في ظل التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، نشهد سباقًا متزايدًا لتأمين العناصر الأرضية النادرة، لكن هذا السباق يثير مخاوف بيئية قد تكون أكبر من الفوائد الاستراتيجية التي قد نحصل عليها.

تقرير حديث من معهد تشاتام هاوس يحذر من أن الضغط لتقليل الاعتماد على الصين في هذا المجال الحيوي قد يؤدي إلى تكرار الأضرار البيئية في مناطق جديدة حول العالم، حيث يشير الكاتب باتريك شرودر إلى أن العناصر الأرضية النادرة تعتبر أساسية في التحول الأخضر، ولكن استخراجها ومعالجتها يترك آثارًا بيئية خطيرة، مثل كميات هائلة من النفايات السامة والمشعة وتلوث مصادر المياه وتدمير النظم البيئية الحساسة.

صراع الحصول على المعادن النادرة.

التقرير يبرز أن العديد من الدول تبحث عن مناطق نائية ومعقدة تقنيًا لتأمين احتياجاتها من هذه المعادن وتقليل هيمنة الصين على السوق، ومن الأمثلة الملحوظة نجاح اليابان في استخراج طمي غني بالعناصر النادرة من قاع المحيط الهادئ على عمق 5700 متر، وهو إنجاز يعد الأول من نوعه عالميًا، كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالرواسب البرية في مناطق بيئية حساسة مثل غابات الأمازون في البرازيل، التي تقدر احتياطياتها بحوالي 21 مليار طن، مما يجعلها ثاني أكبر احتياطي عالمي بعد الصين، لكن هذه المنطقة غنية بالتنوع البيولوجي وتحتوي على أراضٍ خاصة بالمجتمعات الأصلية.

التوسع الاستكشافي للمعادن النادرة في مناطق أخرى.

التوسع الاستكشافي يمتد ليشمل مناطق أخرى هشة بيئيًا مثل جرينلاند ومراعي منغوليا والأنظمة البيئية الجزرية في مدغشقر، مما يزيد من التوتر بين الحاجة للأمن الجيوسياسي وحماية النظم البيئية الهشة، وفقًا للتقرير، استخراج طن واحد من المعادن النادرة ينتج عنه ما يصل إلى ألفي طن من النفايات السامة بما في ذلك مخلفات مشعة، والدراسات تربط التعرض لهذه المواد بأمراض خطيرة مثل أمراض الرئة واضطرابات الجهاز العصبي وأمراض القلب وزيادة مخاطر السرطان.

التقرير يستشهد بالتجربة الصينية كمثال تحذيري، ففي مدينة جانتشو، المعروفة بـ«مملكة العناصر الأرضية النادرة»، أدى استخدام تقنيات معينة إلى تحمض التربة وتلوث واسع للمياه، حيث قدرت وزارة الصناعة الصينية في عام 2011 حجم الأضرار البيئية بنحو 38 مليار يوان، وهي خسائر تضاعفت لاحقًا، وفي منغوليا الداخلية، مواقع تعدين بايان أوبو تسببت في تدهور بيئي واسع، حيث تم تصريف كميات ضخمة من المخلفات الكيميائية في خزانات تحتوي على معادن ثقيلة وعناصر مشعة، مما أثر على الأراضي الزراعية وأثار اضطرابات اجتماعية بين المجتمعات المحلية.

تنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين.

رغم هذه التحديات، التقرير يشير إلى إمكانية تنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين دون تكرار الأضرار البيئية، بشرط اعتماد معايير صارمة قبل بدء عمليات الاستخراج، وإشراك الشعوب الأصلية وفق مبدأ «الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة»، كما أن إدارة مخلفات التعدين والمواد الكيميائية تمثل أحد أخطر التحديات، حيث لا يلتزم سوى 17% من منتجي المعادن النادرة بالمعايير البيئية والاجتماعية المعترف بها.

بالنسبة للنفايات المشعة، الحل الآمن الوحيد يكمن في إنشاء مرافق تخزين هندسية خاضعة للرقابة وفق معايير السلامة المحددة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التقرير يطرح خيارًا سياسيًا جديدًا يتمثل في إنشاء نظام دولي لأسعار العناصر النادرة، وفي الاجتماع الوزاري الأخير للمعادن الحيوية في واشنطن، أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها إنشاء منطقة تجارية تفضيلية تحافظ على حد أدنى للأسعار، مع ربط هذا الحد بالأداء البيئي الموثق، مما يضمن سلاسل إمداد أكثر استدامة وأقل كلفة بيئية في المستقبل.