في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، يعود اسم خيري شلبي إلى الواجهة بوصفه واحدًا من أبرز الحكّائين في الأدب المصري الحديث، وكاتبًا انحاز بوضوح إلى المهمشين والبسطاء.
لم يكن خيري شلبي بحاجة إلى أبطال خارقين أو شخصيات من عالم السلطة والنفوذ لصناعة رواية كبيرة؛ كان يكفيه أن ينظر إلى رجل يقف في آخر الصف، أو امرأة تعيش على هامش الحكاية، أو صعلوك يعرفه الجميع ولا يعرف أحد حكايته كاملة، ثم يمنحهم ما لم تمنحه لهم الحياة: صوتًا ومساحة وبطولة.
يرى النقاد أن من مفاتيح فرادة تجربته أنه لم يقدّم المهمشين باعتبارهم مجرد ضحايا يستحقون التعاطف، بل باعتبارهم بشرًا كاملين؛ لديهم أحلامهم وخطاياهم وحيلهم وضعفهم وذكاءهم وقدرتهم على النجاة. ومن هنا ارتبط اسمه بوصفه «سفير المهمشين»، إذ اختار الانحياز إلى من اعتبرهم «ملح الأرض»، ودخل إلى عالمهم ليعيد تقديمه أدبيًا.
ولم يكن خيري شلبي روائيًا بارعًا في بناء الأحداث فحسب، بل كان قبل ذلك حكّاءً. تترك قراءة أعماله إحساسًا بأن القارئ يجلس في مجلس طويل تسمع فيه الشخصيات وهي تحكي، حيث يستدعي كل واحد حكاية قديمة تفتح بابًا على حكاية أخرى، لتتكون في النهاية شبكة واسعة من الأصوات والذكريات والأسرار.
وتتجلى فرادة أسلوبه أيضًا في تعدد الأصوات؛ إذ لا يكون الراوي دائمًا هو المسيطر على المشهد، بل تحصل الشخصيات على حق الكلام، وتحمل كل واحدة لغتها وإيقاعها وذاكرتها وطريقتها في النظر إلى الحياة. وفي حديث له عن تجربته، تحدث شلبي عن ميله إلى الحكي أكثر من السرد، وربطه بأسلوب يمكن تسميته «الرواية الصوتية»، حيث تتعدد الأصوات ويتولى كل شخص رواية ما يخصه.
كما اختار أن تكون اللغة خادمة للحكاية وللشخصية، فمزج بين مستويات لغوية مختلفة واستفاد من روح الكلام الشعبي وإيقاع الحكايات الشفوية وثراء اللهجة المصرية من دون أن يفقد نصه قيمته الأدبية. وتبدو لغته، وفق الوصف الوارد في المادة، متعددة وساخرة وحزينة ومرحة وساخنة ومليئة بالتناقضات.
وأشارت المادة إلى أن المترجم آدم طالب، الذي نقل بعض أعمال شلبي إلى الإنجليزية، اعتبر من أكثر سمات نثره متعة وصعوبة في الوقت نفسه قدرته على مزج مستويات اللغة داخل الجملة أو الفقرة الواحدة، بما لا يجعل اللغة تقف بين القارئ والشخصية.
ومن بين الأعمال التي يشار إليها كأكثر وضوحًا في تجربة شلبي رواية «وكالة عطية»، حيث يتحول المكان إلى عالم كامل وتصبح الوكالة ملتقى لشخصيات من قاع المجتمع لكل منها ماض وحكاية ومصير. وتذكر المادة أن الرواية حصلت على جائزة أفضل رواية عربية، كما حصل شلبي عن العمل نفسه على ميدالية نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2003.
وتعرض المادة أيضًا رواية «الوتد» باعتبارها مثالًا على تحويل التفاصيل اليومية إلى صورة واسعة للمجتمع؛ فالبيت والأسرة والقرية لا تأتي بوصفها عناصر عادية فقط، بل تتحول كل تفصيلة إلى نافذة على منظومة قيم وعادات وعلاقات وصراعات.
وتشير المادة إلى انتقال أعمال خيري شلبي من الأدب إلى الشاشة وتحول بعض شخصياته وحكاياته إلى أعمال درامية وجدت طريقها إلى جمهور أوسع.
وفي التاسع من سبتمبر 2011، رحل خيري شلبي عن عمر 73 عامًا بعد مسيرة أدبية طويلة ترك خلالها عشرات الأعمال في الرواية والقصة والمسرح والدراسات والمقالات. ورغم رحيله، تؤكد المادة أن شخصياته ما زالت تمشي في الشوارع وأن وكالته ما زالت تعج بالأصوات، وأن أبطاله الذين عاشوا على هامش المجتمع ما زالوا يحتفظون بمقاعدهم في قلب الأدب.


