يطرق فصل الخريف أبواب مصر فلكيا فى 23 سبتمبر من كل عام ، حاملا ملامح جوية متباينة تضع التنبؤات الجوية والاستعداد المبكر أمام اختبار جديد، خاصة مع طبيعة هذا الفصل الانتقالية وسرعة التغير في عناصر الطقس ما بين حرارة صيف لا تنتهي سريعا وأمطار قد تأتي على نحو مفاجىء.
ومع الطبيعة المتغيرة للخريف، تزداد الحاجة إلى قراءة دقيقة للمؤشرات الجوية ليس فقط لمعرفة اتجاهات درجات الحرارة وفرص الأمطار، وإنما لرصد الظواهر التي قد تتطور بصورة سريعة وتحديد المناطق الأكثر تأثرا بها خاصة في ظل احتمالات الأمطار الغزيرة والسيول ببعض المناطق.
وفي هذا الإطار. أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارا مع الدكتورة إيمان شاكر، مدير مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، استعرضت خلاله أبرز السيناريوهات المتوقعة خلال الموسم والظواهر الجوية المحتملة والمناطق الأكثر عرضة للتأثر إلى جانب آليات الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر التي تتيح التعامل مع الحالات الجوية المؤثرة قبل وأثناء حدوثها.
كيف سيكون الطقس خلال خريف 2026؟
واستهلت الوكالة الحوار بسؤال يراود غالبية المواطنين وهو كيف ستكون حالة الطقس خلال خريف هذا العام؟ حيث أجابت “شاكر” بأن أحدث التوقعات الموسمية تشير إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها المناخية في مناطق واسعة من العالم خلال بعض فترات الخريف مع احتمالات استمرار تأثير ظاهرة النينيو، وهو ما قد يسهم في زيادة التباين في درجات الحرارة وأنماط الأمطار على المستوى العالمي.
وتوقعت أن يشهد خريف هذا العام قدرا من التباين والتقلب في الأحوال الجوية مع احتمالية بقاء درجات الحرارة أعلى من معدلاتها المناخية خلال بعض الفترات خاصة في بداية هذا الفصل وبصفة خاصة خلال شهر أكتوبر القادم ، على أن تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض تدريجيا مع تقدم الموسم والاقتراب من نهايته.
وقالت: إن خرائط النماذج الموسمية تشير إلى احتمالية تسجيل كميات أمطار أعلى من المعدلات المعتادة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر على بعض مناطق شمال البلاد ومحافظة البحر الأحمر ؛ لكن ذلك لا يعني بالتأكيد سقوط الأمطار طوال هذين الشهرين أو على مدار فصل الخريف.
وأشارت إلى أن التنبؤات الموسمية تقدم اتجاهات عامة واحتمالات على مدى زمني طويل ولا يمكن من خلالها تحديد توقيت ومكان وشدة كل حالة جوية بصورة تفصيلية .. مشددة على أنه مع التغيرات المناخية وما يصاحبها من زيادة احتمالية بعض الظواهر الجوية المتطرفة، تزداد أهمية منظومة الإنذار المبكر والاستعداد المسبق.
وأفادت بأن الهيئة العامة للأرصاد الجوية تتابع النماذج العددية والتنبؤات الجوية بصورة مستمرة وتصدر التحذيرات قبل الحالات الجوية المؤثرة ، مع تحديثها بشكل دوري وفقا لأحدث البيانات والنماذج.
أبرز الظواهر الجوية المتوقعة خلال الخريف
وعن أبرز الظواهر الجوية المتوقعة خلال فصل الخريف القادم ؟ .. أجابت شاكر بأنها تتمثل في هطول أمطار متفاوتة الشدة وقد تكون غزيرة أحيانا على بعض المناطق ، مع احتمالية تشكل السيول في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المناسبة ، بالإضافة إلى نشاط الرياح وإثارة الرمال والأتربة خلال بعض الفترات ، بجانب الانخفاض التدريجي في درجات الحرارة مع استمرار بعض الفترات الحارة خاصة في بداية الخريف وانخفاض الرؤية الأفقية بسبب الشبورة المائية خاصة خلال ساعات الصباح على الطرق.
وشددت مدير مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية على أن الخريف يظل فصلا انتقاليا ؛ ولذلك قد يشهد تغيرات سريعة في عناصر الطقس ؛ مما يستدعي متابعة مستمرة للتنبؤات الجوية.
وأشارت إلى أن الهيئة تتابع التنبؤات قصيرة ومتوسطة المدى خلال هذه الفترة إلى جانب الاستعانة بنماذج التنبؤ العددي وصور الأقمار الصناعية والرادارات الجوية ومحطات الرصد السطحي، لتحديد أماكن وشدة الظواهر الجوية وإصدار التحذيرات المبكرة.
وقالت : بعد إصدار التحذير الجوي ، يبرز دور التنبؤ الآني الذي يغطي عادة فترة زمنية قصيرة تتراوح ما بين 3 إلى 6 ساعات ويتم خلاله متابعة تطورات الحالة الجوية بصورة لحظية من خلال بيانات محطات الرصد وصور الأقمار الصناعية، ورادارات الطقس.
وأضافت : “قد تطرأ أثناء الحالة الجوية تغيرات حادة وسريعة مثل زيادة شدة الأمطار أو تغير المناطق المتأثرة أو تغير حركة الرياح وإثارة الرمال والأتربة ، وفي هذه الحالة يتم إصدار تحديث جوي فور التأكد من تطور الظاهرة وتحديد المناطق المتأثرة وتأثيراتها المحتملة”..مشيرة إلى أن هذه التحديثات تصل إلى الجهات المعنية بالدولة لرفع درجة الاستعداد واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع آثار الظواهر الجوية خاصة الحالات المتطرفة.
وردا على سؤال يراود الكثير من المواطنين وهو متى تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض بشكل ملحوظ ؟ .. أجابت شاكر بأن الانخفاض في درجات الحرارة يبدأ تدريجيا خلال فصل الخريف وليس بالضرورة مع بداية شهر سبتمبر مباشرة ، ويصبح الشعور بالانخفاض أكثر وضوحا مع تقدم الموسم خاصة خلال النصف الثاني من الخريف، ومع الاقتراب من منتصف أكتوبر وخلال شهر نوفمبر يكون الانخفاض أكثر وضوحا خلال ساعات الليل والصباح الباكر مقارنة بدرجات الحرارة خلال النهار.
وقالت : “مع انخفاض درجات الحرارة الصغرى واقترابها من درجات حرارة نقطة الندى ، تزداد فرص تكون الشبورة المائية الكثيفة والضباب خلال فترات الصباح الباكر، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الرؤية الأفقية على الطرق ، وقد تصل الرؤية في بعض الحالات إلى مستويات شديدة الانخفاض”.
وعن فرص الأمطار خلال فصل الخريف ؟ .. توقعت شاكر تزايد فرص هطول الأمطار خلال فصل الخريف مقارنة بفصل الصيف خاصة مع تقدم الموسم ، إلا أن هذا لا يعني أنها ستكون مستمرة أو ستسقط على جميع أنحاء الجمهورية ، إذ تتسم بالتوزيع غير المنتظم مكانيا وزمنيا .. مشيرة إلى أن بعض المناطق قد تتعرض لأمطار غزيرة خلال فترة قصيرة بينما تظل مناطق أخرى دون أمطار.
ولفتت إلى أن مصر شهدت خلال السنوات السابقة وخاصة خلال الفترة من 2015 وحتى 2022 ، عددا من حالات الأمطار شديدة الغزارة لا سيما خلال شهري أكتوبر ونوفمبر ، وكانت محافظات مثل الإسكندرية ومطروح والقاهرة من بين المناطق التي تعرضت لبعض الحالات المؤثرة.
وأشارت إلى أن البلاد تعرضت كذلك في أكتوبر 2019 لحالة قوية من عدم الاستقرار الجوي ؛ نتيجة تأثير منخفض متعمق في طبقات الجو العليا ؛ مما أدى إلى سقوط أمطار غزيرة على القاهرة وعدد من المحافظات..لافتة إلى أن محافظة الإسكندرية كانت قد شهدت في أكتوبر 2021 واحدة من الحالات شديدة الغزارة حيث سجلت كميات أمطار خلال 24 ساعة وصلت إلى نحو عشرة أضعاف المعدل الشهري المعتاد.
وحول المحافظات الأكثر عرضة للأمطار الغزيرة والسيول؟ .. أجابت شاكر بأن مخاطر السيول تتركز بصورة أكبر في المناطق ذات الطبيعة الجبلية والمنحدرات ومجاري الأودية ، ومن أبرز المناطق التي تستدعي متابعة خاصة هي شمال ووسط وجنوب سيناء ومحافظة البحر الأحمر والمناطق الجبلية المحيطة بها وأجزاء من جنوب الصعيد والمناطق المتاخمة للجبال والمناطق الواقعة في اتجاه مخرات السيول ومنها بعض المناطق جنوب محافظة الجيزة وأجزاء من الظهير الصحراوي لمحافظات شمال الصعيد.
وشددت الدكتورة إيمان شاكر على أهمية الاستعداد المسبق من جانب الأجهزة التنفيذية من خلال تطهير مخرات السيول ورفع كفاءة بالوعات وشبكات تصريف مياه الأمطار بما يقلل من الآثار المحتملة للحالات الجوية الشديدة.
وعن إمكانية تجدد الموجات الحارة خلال فصل الخريف؟ .. أجابت شاكر بالإيجاب قائلة : “إن بدء فصل الخريف لا يعني انتهاء فرص ارتفاع درجات الحرارة ، وقد تشهد البلاد بعض الفترات الحارة أو الارتفاعات المؤقتة في درجات الحرارة خاصة خلال بداية الخريف قبل أن تبدأ في الانخفاض التدريجي مع تقدم الموسم”.
وأشارت إلى أن التوقعات العالمية تميل إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة عن المعدلات في مناطق واسعة خلال بعض فترات سبتمبر وأكتوبر مع وجود تأثيرات مرتبطة بالأنماط المناخية العالمية، ومنها ظاهرة النينيو.
وعن كيفية تأثير التغيرات المناخية على طبيعة فصل الخريف؟ .. قالت شاكر : “إن التغيرات المناخية تسهم في عدم انتظام بعض الأنماط الجوية وظهور حالات أكثر تطرفا في بعض الأحيان ، وقد نلاحظ استمرار درجات الحرارة المرتفعة لفترات أطول أو حدوث انتقالات أسرع بين الأجواء الحارة والمعتدلة إلى جانب زيادة احتمالية بعض الظواهر الجوية المتطرفة مثل سقوط كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة”.
وشددت على أنه لا يمكن ربط كل حالة جوية منفردة بالتغير المناخي بصورة مباشرة ؛ لأن تحديد العلاقة بين ظاهرة جوية بعينها والتغير المناخي يحتاج إلى دراسات وتحليلات مناخية طويلة المدى.
وعن أصعب الظواهر الجوية التي تواجه المتنبئ الجوي خلال فصل الخريف؟.. أفادت الدكتورة إيمان شاكر بأن حالات عدم الاستقرار الجوي والأمطار الغزيرة والسيول تعد من أصعب الحالات التي تواجه المتنبئ الجوي ، نظرا للتباين الكبير في توزيعها المكاني وإمكانية تغير شدتها ومواقعها خلال فترة زمنية قصيرة كما أن التنبؤ الدقيق بكمية الأمطار ومكان سقوطها يمثل تحديا أكبر من التنبؤ بدرجات الحرارة.
وقالت: إن ظاهرتي الضباب والشبورة المائية تعتبران من الظواهر التي تمثل تحديا في التنبؤ خاصة فيما يتعلق بتحديد المناطق الأكثر تأثرا ومدى انخفاض الرؤية ؛ ولذلك نعتمد على دمج العديد من مصادر المعلومات ومنها نماذج التنبؤ العددي والأقمار الصناعية والرادارات الجوية ومحطات الرصد السطحي إلى جانب منظومة الإنذار المبكر.
وعن أهم النصائح التي توجهها الهيئة العامة للأرصاد الجوية للمواطنين مع بداية موسم الخريف؟ .. قالت شاكر : إننا ننصح المواطنين بضرورة متابعة النشرات والتحديثات الرسمية الصادرة عن الهيئة وعدم الانسياق وراء التوقعات غير الرسمية أو المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقيادة بحذر أثناء سقوط الأمطار أو تكون الشبورة والضباب وانخفاض الرؤية وتجنب المناطق المنخفضة ومجاري السيول أثناء الحالات الممطرة.
كما نصحت المواطنين بضرورة متابعة حالة الطقس قبل السفر خاصة على الطرق الطويلة ، والابتعاد عن أعمدة الإنارة ومصادر الكهرباء أثناء سقوط الأمطار ، والاستعداد للتغير في درجات الحرارة بين ساعات النهار والليل ، والالتزام بتعليمات الجهات المعنية عند صدور تحذيرات جوية.
وقالت : إن التنبؤات الجوية أصبحت أكثر تطورا ودقة لكن الاستفادة الحقيقية منها تتحقق عندما تصل المعلومة في الوقت المناسب ويتم التعامل معها بصورة صحيحة ، فدور منظومة الإنذار المبكر لا يقتصر على التنبؤ بحدوث الظاهرة الجوية وإنما يمتد إلى وصفها وتحديد المناطق الأكثر تأثرا وتقدير شدتها وتأثيراتها بما يتيح للجهات المعنية الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات الاستباقية اللازمة.
واختتمت شاكر حوارها بالقول : “إن فصل الخريف ، رغم ما قد يحمله من تقلبات جوية ، يبقى من أجمل فصول العام في مصر لكن الاستعداد الجيد والمتابعة المستمرة للتحديثات الرسمية يظلان العامل الأهم في التعامل الآمن مع أي ظواهر جوية مؤثرة”.


