تحل اليوم 10 سبتمبر ذكرى وفاة الموسيقار رياض السنباطي، الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ الموسيقى العربية من خلال مدرسة موسيقية حافظت على أصالة اللحن الشرقي، مع تقديم أعمال تحمل روح التطور والتجديد.
ارتبطت مسيرته الفنية بتقديم ألحانه لأبرز نجوم الغناء في العالم العربي، وكان تعاونه مع كوكب الشرق أم كلثوم من أبرز فصول رحلته، ليترك بعد رحيله تراثًا موسيقيًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
وعرف عن السنباطي ميله إلى العزلة والابتعاد عن صخب الحياة، إذ لم يكن يرى في الوحدة شعورًا سلبيًا، بل اعتبرها وسيلة تمنحه صفاءً وتأملًا. كما تحدث عن حبه للانفراد بالنفس، موضحًا أنه يجد في ذلك لذة روحية تساعده على الاندماج بشكل أكبر في عالم الموسيقى والتحليق في أفكاره.
لقاءات مبكرة مع أم كلثوم وبداية التعاون
يروي السنباطي أن اللقاء الأول بينه وبين أم كلثوم جاء في إحدى قرى ريف المنصورة خلال بدايات مشوارهما، حيث كان والده مطربًا ويصطحبه معه إلى الأفراح. ووفقًا لروايته، التقى أم كلثوم في محطة السكة الحديد وقت الفجر وهي ترتدي العباءة والعقال.
أما اللقاء الثاني فكان في القاهرة مع بداية حياتهما الفنية، قبل أن تتحول هذه المعرفة إلى واحدة من أشهر العلاقات الفنية في تاريخ الغناء العربي. وتذكر المادة أن أغنية «النوم يداعب عيون حبيبي» كانت أول لحن يقدمه السنباطي لأم كلثوم، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من التعاون أثمرت عشرات الأعمال.
تمسك بالهوية الشرقية ورفض إقحام اللحن الغربي
كان الحفاظ على هوية الموسيقى الشرقية من أهم القضايا التي تمسك بها رياض السنباطي. وأكد في تصريحاته أن الاستعانة بالآلات الغربية ليست مشكلة بحد ذاتها، بشرط أن تظل الموسيقى محتفظة بطابعها الشرقي، معلنًا رفضه إقحام اللحن الغربي على الألحان الشرقية بصورة تفقدها هويتها.
كما امتدت رؤيته إلى أعماله التي جمعت بين التطور الموسيقي والتمسك بجذور الغناء العربي. ورغم أنه خاض تجربة الغناء من وقت إلى آخر، فإنه لم يجعلها مهنته الأساسية، واختار أن يركز على التلحين باعتباره رسالته الفنية.
ومن بين ما ورد عن موقفه من الغناء قوله: «أنا لم أحترف الغناء لأن صاحب بالين كذاب»، مع تأكيد أنه فضل إكمال الرسالة التي بدأها في مجال التلحين مع احتفاظه بالغناء أحيانًا.
ألحان لأم كلثوم ونجوم الغناء
لم يخف السنباطي إعجابه بالإمكانات الصوتية الهائلة التي امتلكتها أم كلثوم، وروى موقفًا اعتبره دليلًا على قوة صوتها. ووفقًا للمادة، خلال إحدى حفلاتها التي حضرها نحو 4 آلاف شخص تعرض الميكروفون لعطل، ومع ذلك تمكنت من استئناف الحفل والغناء أمام الجمهور.
وتذكر المادة أن عدد ألحان رياض السنباطي لأم كلثوم بلغ نحو 90 لحنًا، شكلت مجموعة من أهم محطات مشوارها الفني وأصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور العربي. وتأتي قصيدة «الأطلال» في مقدمة هذه الأعمال باعتبارها من أشهر كلاسيكيات الموسيقى العربية، ويرى كثيرون أنها من أجمل ما غنت أم كلثوم وأبرز ما لحن رياض السنباطي.
كما امتدت ألحانه إلى مجموعة كبيرة من نجوم الغناء في مصر والعالم العربي؛ إذ بلغ عدد الموسيقيات التي قدمها نحو 38 قطعة، ولحن أعمالًا لنحو 120 شاعرًا. وتغنى بألحانه عدد من المطربين منهم: منيرة المهدية، فتحية أحمد، صالح عبد الحي، محمد عبد المطلب، عبد الغني السيد، أسمهان، هدى سلطان، فايزة أحمد، سعاد محمد، وردة، ميادة الحناوي، نجاة، سميرة سعيد، ابتسام لطفي، طلال مداح وعزيزة جلال.
وبحسب المادة، قدم لعزيزة جلال مجموعة من الأغاني العاطفية وآخر أعماله الفنية ومن بينها قصيدتا «الزمزمية» و«من أنا؟»، فيما قدم لميادة الحناوي قصيدة «أشواق».
تكريمات رسمية ودولية
نال رياض السنباطي تكريمات عديدة تقديرًا لدوره في الموسيقى؛ إذ حصل على وسام الفنون من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1964. كما حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
وتذكر المادة أنه حصل أيضًا على جائزة المجلس الدولي للموسيقى في باريس عام 1964، وجائزة الريادة الفنية من جمعية كتاب ونقاد السينما عام 1977. كما نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون والموسيقى، والدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون عام 1977 تقديرًا لدوره في الحفاظ على الموسيقى.
وأضافت المادة أنه حصل كذلك على جائزة اليونسكو من جناحها العربي عام 1977.
إرث موسيقي وتأثير مستمر
ترك رياض السنباطي إرثًا فنيًا يتجاوز الألحان التي قدمها؛ إذ أسهمت مدرسته في ظهور عدد كبير من الموسيقيين. وظلت تجربته نموذجًا لفنان استطاع تطوير أدواته دون أن يتخلى عن هويته.
<p وبعد عقود من رحيله، لا تزال ألحانه حاضرة في وجدان الجمهور العربي وفق ما ورد بالمادة، لتؤكد أن الموسيقى الأصيلة قادرة على عبور الزمن وأن أسماء كبار المبدعين تظل حاضرة كلما عادت ألحانهم إلى مسامع الجمهور.
