التشكيلي محمد عيد: «سرديات الأرض السوداء» إعادة اكتشاف لـ«كِمِت» بروح معاصرة

نبذة عن المقال
في حواره، يوضح الفنان محمد عيد دلالات عنوان معرضه «سرديات الأرض السوداء» المرتبط بمفهوم «كِمِت»، وكيف تحولت الجداريات المصرية القديمة إلى نص بصري وتقنيات وألوان تعكس الزمن والبعث.

يقدم التشكيلي محمد عيد في معرضه الحالي بقاعة الباب عملًا بعنوان «سرديات الأرض السوداء»، مستلهمًا مفهوم «كِمِت» عند المصري القديم بوصفه فلسفة وجودية وليست مجرد تربة، وفق ما يشرحه في حوار مرفق.

يرى عيد أن «الأرض السوداء» لديه تمثل رحم الوجود وذاكرة الزمن، بينما تشير «سرديات» إلى تعدد الحكايات التي تختزنها هذه الأرض: سردية الإنسان، وسردية الحضارة، وسردية الروح، وسردية الزمن.

«الأرض السوداء» كفلسفة للبعث والهوية

يقول إن اختيار عنوان «سرديات الأرض السوداء» جاء من التأمل في مفهوم «كِمِت»، الأرض السوداء الخصبة التي خرجت منها الحياة وشكلت واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ.

ويؤكد أنه لا يتعامل مع المفهوم كإشارة إلى المكان أو التربة فحسب، بل باعتباره مفهومًا أعمق يحمل معنى «الرحم» و«ذاكرة الزمن»، وأن الأرض لديه ليست خلفية للأحداث بل كائن حي يحمل ذاكرة ممتدة عبر آلاف السنين.

تفكيك البنية الفكرية للفن المصري القديم

يشير عيد إلى أن التجربة تنطلق من البعد الحضاري المصري القديم، وبالأخص مفهوم «كِمِت» المرتبط بالخصوبة والتجدد والاستمرار.

لكنّه يوضح أن استدعاء الفن المصري القديم لا يقوم على إعادة إنتاج أشكال تاريخية أو محاكاة رموز جاهزة، بل على تفكيك البنية الفكرية التي قامت عليها هذه الحضارة، باعتبار أن الفن المصري القديم كان نظامًا رمزيًا مرتبطًا بمفاهيم الزمن والخلود والهوية والعبور من الحياة إلى الأبدية.

السرد في اللوحة عبر شبكة علاقات بصرية ورمزية

حول كيفية تجلي السرد في أعمال تشكيلية دون كلمات، يقول عيد إن السرد لا يعتمد على قصة مباشرة أو شخصيات تقوم بفعل محدد، بل يتشكل عبر بناء شبكة من العلاقات البصرية والرمزية.

ويضيف أن العناصر التشكيلية مثل الخط واللون والجسد والفراغ والخامة تتحول إلى لغة تحمل المعنى، وأن الخطوط المستمدة من التوثيق الرقمي لجداريات المصريين القدماء لا تظهر كزخارف، بل كآثار ذاكرة تتداخل مع الحاضر.

ويصف اللوحة بأنها «نص بصري مفتوح» لا يقدم إجابة واحدة، بل يدعو المتلقي لقراءة طبقات الزمن المختبئة داخل العمل.

تقنيات الأقلام الخشبية والأكريليك وتوثيق الجداريات

فيما يتعلق بالمعالجات التقنية والمواد البصرية، يعتمد عيد على تقنية الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك لتكوين طبقات بصرية تسمح بظهور العلاقة بين الحضور والغياب وبين الأثر والتلاشي.

كما يوضح أن السطح التشكيلي نفسه يصبح حاملًا لفكرة الزمن عبر تراكم الطبقات اللونية التي تستحضر ذاكرة فوق الأرض.

ويشير كذلك إلى التهجين البصري بين عناصر مستوحاة من الفن المصري القديم وصياغات معاصرة، بحيث تتحول الرموز القديمة إلى بنى مفتوحة لإعادة التأويل.

أما التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة فيقول إنه لم يستخدمه كنموذج شكلي، بل كبنية مفاهيمية؛ إذ يرى أن الخطوط الدقيقة الناتجة عنه تعمل كخرائط للذاكرة داخل العمل وتختفي.

الأسود فضاء خصب لا عتمة

يرى عيد أن اللون الأسود في هذه التجربة ليس لونًا للعتمة، بل لون البداية والاحتواء المرتبط بمفهوم «كِمِت»، الأرض التي تحتوي بذور الحياة وتمنحها القدرة على التجدد.

ويشرح أن الأسود لديه لا يلغي الضوء بل يجعل ظهوره أكثر عمقًا وتأثيرًا، مع ربط دلالات ألوان أخرى داخل الأعمال: الأخضر للتجدد والتجذر، والأصفر للإشراق الداخلي، والبرتقالي بلحظة الوعي والتوهج، والرمادي بأثر الزمن وذاكرته.

عبور بين التجريد والواقعية ورسالة للعودة للجذور

في سؤال التوازن بين التجريد والواقعية، يقول عيد إن العلاقة بينهما هي علاقة عبور وليست مواجهة؛ إذ يبدأ من مرجع واقعي وتاريخي مثل جداريات الفن المصري القديم دون البحث عن إعادة تصويرها، بل عن جوهرها الفكري والروحي.

ويضيف أن التجريد لا يعني الابتعاد عن الواقع، بل الوصول إلى المعنى الكامن خلف الشكل؛ فالجسد يتحول إلى رمز للوجود، والخط إلى أثر للذاكرة، والعناصر التاريخية إلى لغة معاصرة.

وبحسب ما يذكره، يريد المتلقي أن يخرج بإحساس بأن الحضارة ليست شيئًا من الماضي فقط، بل طاقة مستمرة تعيد تشكيل الوعي في الحاضر عبر إعادة اكتشاف علاقة الإنسان بالأرض بوصفها ذاكرة وهوية.

دعوة للتأمل وسط التسارع الرقمي

يربط عيد المعرض بسياق سيطرة الصخب الرقمي والتسارع البصري، ويقول إن «سرديات الأرض السوداء» لا تقدم صورة سريعة الاستهلاك بل تدعو المتلقي للدخول في طبقات العمل كما لو كان يقرأ طبقات الأرض نفسها.

ويصف المعرض بأنه رحلة للعودة إلى الجذور وإلى فكرة أن الذاكرة ليست شيئًا ثابتًا بل كيان حي يعاد اكتشافه باستمرار؛ لتصبح الأعمال مساحة لعبور الزمن من التاريخ إلى الحاضر ومن السطح إلى العمق ومن الشكل إلى المعنى.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#الفن المصري القديم#سرديات الأرض السوداء#قاعة الباب#كِمِت#محمد عيد