شايان ماونتن.. قلعة الحرب الباردة تعود للحياة

شايان ماونتن.. قلعة الحرب الباردة تعود للحياة

في قلب جبل شايان ماونتن بولاية كولورادو، توجد واحدة من أكثر المنشآت العسكرية سرية في التاريخ، حيث تم تصميمها لتكون ملاذًا آمنًا في حالات الطوارئ. يمتد المجمع على عمق 2000 قدم تحت الصخور، ويتميز بقدرته على العزل الذاتي في حال وقوع هجوم نووي. يضم المجمّع 15 مبنى محصنًا، ويعمل به ما بين 350 و580 شخصًا يوميًا، حيث تتوفر لهم مرافق متنوعة. ومع أن الحياة داخل الجبل تتطلب تضحيات، إلا أن روح الدعابة لا تغيب عن المكان، مما يخلق توازنًا بين المسؤولية والإنسانية في واحدة من أكثر المنشآت العسكرية تحصينًا.

مجمّع شايان ماونتن: سرّية عسكرية في قلب كولورادو

موقع المنشأة

في عمق جبلٍ صخري بولاية كولورادو، يوجد واحد من أكثر المجمّعات العسكرية سرّية في تاريخ الحرب الباردة وهو مجمّع شايان ماونتن، هذه المنشأة صُمّمت لتستمر في العمل حتى لو انهار العالم فوق سطح الأرض، حيث تمتد هذه المنشأة على عمق 2000 قدم تحت صخور الغرانيت القاسية.

مركز القيادة

يمتلك مركز القيادة القدرة على عزل نفسه بالكامل خلال ثوانٍ معدودة في حال حدوث هجوم نووي، وفقًا لتقرير من مصدر موثوق، يمكنه تحمّل انفجار تصل قوته إلى 30 ميغاطن، وهو ما يعادل نحو 2000 ضعف قوة قنبلة هيروشيما، بدأ العمل في هذا الحصن عام 1961، على بُعد 10 أميال من وسط مدينة كولورادو سبرينغز، وخلال خمس سنوات من الحفر والتفجير، تم نحت بطن الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 9565 قدماً وإزاحة أكثر من 693 ألف طن من الغرانيت لإنشاء مساحة كافية لبناء 15 مبنى تحت الأرض.

العمليات العسكرية

بعد اكتماله عام 1966، أصبح المجمّع مركز العمليات القتالية للقيادة المشتركة للدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نوراد)، حيث كان الضباط يعملون بلا توقف لرصد أي إطلاق سوفييتي محتمل لصواريخ أو قاذفات أو مركبات فضائية، ورغم انتقال مركز قيادة نوراد الرئيسي عام 2006 إلى قاعدة بيترسون القريبة، ظلّ مجمّع شايان ماونتن منشأة احتياطية واستراتيجية لا غنى عنها، اليوم، تتولى القوات الفضائية الأمريكية تشغيله، بينما تشغل القيادة المشتركة للدفاع الجوي لأمريكا الشمالية 30 في المئة فقط من مساحته الداخلية، ويشكل عناصرهم 5 في المئة من تعداد العاملين يومياً داخل الجبل.

الاستدامة والقدرة على التحمل

يتميز المجمّع بقدرته على الاكتفاء الذاتي لفترات طويلة، إذ يمتد على مساحة خمسة أفدنة كاملة تحت الأرض، ويستوعب داخله ستة ملايين غالون من المياه في خزانات منحوتة داخل الغرانيت، بالإضافة إلى 510 آلاف غالون من وقود الديزل، وأنظمة متطورة لتنقية الهواء ومخازن للطعام تكفي لأسابيع، وقد بُنيت منشآته لمقاومة جميع أشكال التهديدات، مثل التفجيرات النووية، والأسلحة الكهرومغناطيسية، والعواصف الشمسية، والهجمات الكيميائية والبيولوجية، وحتى محاولات القرصنة الإلكترونية.

الاستجابة للطوارئ

في حالة الطوارئ، تُغلق المنشأة خلال 20 ثانية عبر بوابتين فولاذيتين عملاقتين، حيث تزن كل واحدة منهما 23 طناً وبسماكة ثلاثة أقدام، قادرتين على تحمل موجات الصدمة النووية، وكانت آخر مرة أُغلقت فيها الأبواب خارج نطاق التدريب خلال أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001، أما المباني الـ15 داخل الجبل فبنيت فوق أكثر من 1300 نابض فولاذي يمتصّ الهزات الأرضية، ويحمي المعدات الحيوية من أي ارتجاج، فيما صُمّمت الأنابيب الداخلية لتكون مرنة لتفادي الانفجار عند حدوث أي حركة مفاجئة في الأرض.

الحياة اليومية داخل المجمّع

وعلى الرغم من طبيعة المهمة الخطرة، فإن الحياة اليومية داخل الجبل ليست خالية من اللمسات الإنسانية، إذ يعمل بين 350 و580 شخصاً يومياً داخل المجمّع، وتتوفر لهم مرافق طبية ودينية ومتاجر صغيرة وصالة رياضية تتحول إلى مستشفى عند الضرورة، كما يضم المجمّع أيضاً فرعاً من سلسلة مطاعم شهيرة يستخدمه الموظفون، ويُعرف مازحاً بأنه "أكثر فروعه أماناً في العالم".

المهام التشغيلية

أما على صعيد المهام التشغيلية، فيراقب المسؤولون داخل الجبل كل ما يجري في السماء، من إطلاق الصواريخ إلى الاختبارات النووية والتحركات الفضائية المشبوهة، كما يشكّل المجمّع مركز قيادة بديل جاهزاً لتولي مهام نوراد والقيادة الشمالية الأمريكية في حال تعطل مركز القيادة الرئيسي، وللحفاظ على الأمن الإلكتروني، لا تتصل أي من أجهزة المجمّع بشبكات خارجية، وهي شبكات لا يمكن اختراقها عبر طبقات الغرانيت، ويُعتمد على أنظمة دفاع متقدمة لمواجهة أي محاولة تسلل.

التحديات الإنسانية

ورغم جاهزية المنشأة لحالات «نهاية العالم»، تبقى التضحيات البشرية جزءاً من واقع العاملين فيها، إذ يدرك الموظفون أنه في حال وقوع طارئ حقيقي، سيسمح لهم فقط بالدخول إلى المجمّع دون عائلاتهم، وفي رواية نشرها صحفي، قال أحد الضباط لأسرته: «سأكون في الجبل أؤدي عملي… ولن أستطيع مساعدتكم»، ولهذا يخضع العاملون لتدريبات دورية تشمل المبيت داخل الجبل استعداداً لسيناريوهات العزل الكامل، وبينما يسود المكان شعور دائم بالمسؤولية الثقيلة، لا يخلو المجمّع من روح الدعابة بين عناصره، إذ يحتفظ الموظفون بتقليد طريف: دمية فضائي تُوضع على مكتب المدير كتذكير ساخر ببيئة العمل غير العادية داخل واحد من أكثر الحصون العسكرية تحصيناً على وجه الأرض.

Google News تابعوا آخر أخبار إقرأ نيوز عبر Google News
واتساب اشترك في قناة إقرأ نيوز على واتساب
تيليجرام انضم لقناة إقرأ نيوزعلى تيليجرام