منير فخري عبد النور يكتب: حين تكون الكلمة فعلًا سياسيًا

بوابة الفجر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
منير فخري عبد النور يكتب: حين تكون الكلمة فعلًا سياسيًا, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 05:52 مساءً

كثيرًا ما يُنظر إلى السياسة باعتبارها عالم القرارات والإجراءات والقوانين والحروب والاتفاقيات، وكأنها حكر على الأفعال وحدها. والحقيقة أن هذا التصور، على الرغم من وجاهته، يبقى ناقصًا. فالسياسة لا تُصنع بالأفعال فقط، بل تُصنع أيضًا بالكلمات.

وليست الكلمات في السياسة مجرد وسيلة للتعبير أو التعليق على الأحداث، بل هي أداة من أدوات التأثير وصناعة الواقع. فالكلمة السياسية توجه الوقائع، وتعبر عن رأي، وتتخذ موقفًا، وتصف واقعًا، وتحلل وضعًا، وتقترح حلًا، وتتواصل مع المجتمع، وتعبئ الرأي العام، بل وتسهم في صناعة المستقبل.

فالواقع في حد ذاته لا يتحدث؛ وإنما يتحدث من خلال من يصفه ويفسره ويمنحه معنى. ولهذا فإن السياسي لا يكتفي باتخاذ القرار، بل يسعى أيضًا إلى إقناع الناس بأسبابه وأهدافه ونتائجه. ومن هنا تصبح الكلمة جزءًا من الفعل السياسي نفسه، لا مجرد تعليق عليه.

ويزخر التاريخ المصري بأمثلة تؤكد أن الكلمة كانت دائمًا أحد أهم أدوات العمل السياسي.

فحين قاد سعد زغلول الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، لم يكن يمتلك جيشًا ولا سلطة تنفيذية، وإنما امتلك فكرة عبر عنها بكلمات واضحة ومقنعة: حق المصريين في الاستقلال وحقهم في أن يتحدثوا باسم أنفسهم أمام العالم. ومن خلال خطاباته ولقاءاته ومذكراته استطاع أن يحول مطلب الاستقلال من قضية نخبوية إلى قضية شعب بأكمله. ولم تكن ثورة 1919 مجرد رد فعل على نفي سعد زغلول، بل كانت أيضًا استجابة لخطاب سياسي نجح في تعبئة المصريين وإقناعهم بأن الاستقلال حق مشروع يستحق النضال من أجله.

وبعد ذلك بثلاثة عقود تقريبًا، وقف مصطفى النحاس باشا في البرلمان ليعلن إلغاء معاهدة 1936 قائلًا عبارته الشهيرة: «من أجل مصر وقعنا المعاهدة، ومن أجل مصر نلغي المعاهدة». لم يكن ذلك مجرد إعلان قانوني، بل كان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا خاطب وجدان المصريين في لحظة تصاعد فيها الشعور الوطني الرافض لاستمرار الوجود البريطاني. وتحولت تلك الكلمات إلى رمز لوحدة وطنية واسعة جمعت مختلف القوى السياسية والاجتماعية حول هدف استكمال الاستقلال الوطني.

أما جمال عبد الناصر فقد أدرك مبكرًا أن السياسة في عصر الجماهير لا تُمارس بالسلاح والقرارات فقط، بل بالكلمات أيضًا. وعندما أعلن تأميم شركة قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو 1956، لم يكن يعلن قرارًا اقتصاديًا فحسب، بل كان يطلق خطابًا سياسيًا موجهًا إلى مصر والعالم العربي والعالم بأسره. وقد نجحت كلماته في تحويل قضية مصرية إلى قضية عربية جامعة، فهبت الجماهير العربية مؤيدة لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي. لقد كان قرار التأميم فعلًا سياسيًا عظيمًا، لكن تأثيره التاريخي ما كان ليبلغ ما بلغه لولا القوة التعبوية للكلمات التي رافقته ومنحته شرعيته الوطنية والقومية.

وإذا كانت الكلمة السياسية قد امتلكت هذه القوة في زمن الصحف والمنابر والخطب الجماهيرية، فإن تأثيرها اليوم أصبح أكبر بكثير في عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. فتصريح مقتضب، أو تغريدة لا تتجاوز بضعة أسطر، قد تؤثر في الأسواق المالية، أو تشعل جدلًا سياسيًا واسعًا، أو تغير اتجاهات الرأي العام خلال ساعات قليلة. لقد أصبحت الكلمة تنتقل اليوم بسرعة غير مسبوقة، ووصل تأثيرها إلى جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه في الماضي، الأمر الذي ضاعف من مسؤولية السياسيين في اختيار كلماتهم، لأن الخطأ في القول قد تكون له أحيانًا عواقب لا تقل خطورة عن الخطأ في القرار.

غير أن قوة الكلمة في السياسة لا تكمن فقط في قدرتها على التأثير، بل أيضًا في قدرتها على إثارة الحوار. فالفكرة السياسية، أو الرأي، أو التحليل، أو الحل المقترح، لا يكتسب قيمته الحقيقية بمجرد طرحه، وإنما من خلال ما يثيره من نقاش وتفاعل وتدقيق. فالحوار هو الآلية التي تختبر بها المجتمعات الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات عامة أو قرارات مصيرية. ومن خلال الحوار تتلاقى وجهات النظر المختلفة، وتصحح الأخطاء، وتسد الثغرات، وتقترب المجتمعات من الخيارات الأكثر نضجًا وتوازنًا. ولهذا فإن السياسة ليست مجرد تبادل للكلمات، بل هي أيضًا حوار دائم حول أفضل السبل لإدارة الشأن العام وتحقيق المصلحة الوطنية.

ومن هنا تبرز أهمية حرية الكلمة باعتبارها شرطًا أساسيًا لقيام سياسة رشيدة. فالكلمة التي تخشى العقاب أو المصادرة تفقد كثيرًا من قدرتها على الإسهام في كشف الحقائق أو طرح البدائل أو تصويب الأخطاء. ولا يعني ذلك أن كل رأي صحيح أو أن كل فكرة جديرة بالتبني، إنما يعني أن المجتمع لا يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ إلا إذا أتيح للأفكار أن تطرح وتتنافس في فضاء مفتوحمن النقاش المسؤول. فحرية الكلمة ليست امتيازا يمنح لبعض الناس، بل هي مصلحة عامة تتيح للمجتمع أن يستفيد من تنوع الآراء والخبرات، وأن يتجنب أخطاء قد تنشأ عندما يحتكر طرف واحد حق الكلام وتفسير الواقع.

وعندما تجتمع قوة الكلمة، وثراء الحوار، وضمانة الحرية، تصبح السياسة أكثر قدرة على فهم الواقع وتغييره.

صحيح أن الأفعال تبقى المعيار النهائي للحكم على السياسات والرجال، لكن الأفعال لا تولد في الفراغ. فهي تسبقها أفكار، وترافقها خطابات، وتفسرها كلمات. وقد يملك السياسي السلطة فيصدر قرارًا، لكن القرار يبقى محدود الأثر ما لم يجد الكلمات القادرة على شرحه والدفاع عنه وإقناع الناس به.

فالأمم لا تتحرك بالقوة وحدها، بل تتحرك أيضًا بالأفكار التي تؤمن بها، والأفكار لا تنتقل إلا بالكلمات. ولهذا كانت السياسة، وستظل، فنًا للأفعال وفنًا

للكلمات في آن واحد. فحين تكون الكلمة قادرة على تعبئة شعب، أو توحيد أمة، أو تغيير مسار التاريخ، فإنها لا تعود مجرد كلام، بل تصبح فعلًا سياسيًا بكل ما تحمله من معنى.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق