د.شيماء الناصر تكتب: الكلاب الضالة في مصر.. أزمة بيئية واجتماعية تتجاوز حدود الشارع

صدى البلد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
د.شيماء الناصر تكتب: الكلاب الضالة في مصر.. أزمة بيئية واجتماعية تتجاوز حدود الشارع, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 03:06 مساءً

منذ القدم ارتبط الأنسان بعلاقات فريدة مع بعض الحيوانات وكان ارتباط الأنسان بحيوان كالكلب يمثل علاقة استثنائية تعد من أقدم العلاقات بين البشر والحيوانات، ثم تطورت هذه العلاقة عبر السنيين لتشمل جوانب اجتماعية ونفسية عديدة، حتى أصبح الكلب في كثير من المجتمعات رفيقاً للإنسان وشريكاً في بعض المهام الأمنية والخدمية والإنسانية، وتعكس هذه العلاقة الطويلة قدرة الإنسان على التعايش مع الحيوانات والاستفادة منها في إطار من المنفعة المتبادلة لكن اليوم ونتيجة لعدة عوامل غير منضبطة في التعامل مع مثل هذه الحيوانات وتواجه المدن والقرى المصرية  في السنوات الأخيرة مشكلة كبيرة وهي تزايد أعداد الكلاب الضآلة بما يقارب ال 40 مليون كلب مما يشكل تحدى بيئي واجتماعي ليس بالبسيط لأنه يحمل أبعاداً أكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون.

غالباً ما تُناقش مثل هذه القضايا من زاوية الأمن المجتمعي أو الصحة العامة فقط، وتظل مناقشة آثارها البيئية الأقل تناولاً رغم أهميتها الكبيرة وتأثيرها المباشر على التوازن الطبيعي داخل المدن والمناطق الريفية.

فعندما تتحول المدن إلى بيئات جاذبة للحيوانات الضالة يرى هنا خبراء البيئة أن انتشار الكلاب الضالة ليس سبباً بحد ذاته، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة تدل على وجود اختلالات بيئية وإدارية داخل المجتمع، فالتراكم المستمر للمخلفات العضوية وبقايا الطعام في الشوارع والمقالب العشوائية وحتى الإطعام العشوائي من قبل بعض المواطنين يوفر مصدراً دائماً للغذاء، ما يسمح بزيادة معدلات بقاء الكلاب وتكاثرها.

وبمعنى آخر، فإن الكلاب الضالة تمثل مؤشراً على وجود خلل في منظومة إدارة النفايات أكثر مما تمثل مشكلة مستقلة، فكلما توافرت مصادر الغذاء المفتوحة ازدادت أعداد الحيوانات القادرة على العيش والتكاثر في المناطق الحضرية.

والأثر البيئي الأكثر خطورة للكلاب الضالة هو تأثيرها على التنوع البيولوجي فالكلاب رغم أنها حيوانات أليفة في الأصل، تتحول في حال تكوينها مجموعات برية إلى مفترسات فعالة قادرة على مطاردة أنواع متعددة من الحيوانات، وفي المناطق الزراعية والصحراوية المحيطة بالمدن المصرية، سُجلت حالات افتراس للطيور البرية والزواحف والثدييات الصغيرة، كما تشكل الكلاب الضالة تهديداً لبعض الأنواع المحلية التي تعاني بالفعل ضغوطاً بيئية ناتجة عن فقدان الموائل الطبيعية والتوسع العمراني. 

ويضاف إلى هذا أيضاً خطر بيئي لكنه هنا مرتبط بصحة الأنسان حيث تُعد الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان من أبرز التحديات المرتبطة بانتشار الكلاب الضالة، ويأتي مرض السعار على رأس هذه المخاطر، باعتباره من الأمراض الفيروسية القاتلة إذا لم يتم التعامل معه سريعاً، وقد سجلت في أخر سنه مليون و400 ألف حاله عقر بتكلفة تطعيم وصلت مليار و700 مليون جنيه حسب تصريحات وزارة الصحة المصرية وهو أمر يزيد المشكلة تعقيداً ويكبد الدولة خسائر اقتصادية غير مباشرة , لكن المخاوف لا تقتصر على السعار وحده فالحيوانات الضالة يمكن أن تسهم في نقل بعض الطفيليات والميكروبات التي تؤثر على الإنسان والحيوانات الأخرى ومن منظور بيئي، فإن انتشار الأمراض بين الحيوانات البرية والضالة قد يخلق بؤراً وبائية يصعب السيطرة عليها مستقبلاً. ،

فضلاً عن تتسبب الكلاب الضالة في حالة من القلق لدى المواطنين على المستوى المجتمعي، خاصة في المناطق السكنية الجديدة والأحياء الطرفية وتتكرر شكاوى الأهالي من المطاردات والنباح الليلي والحوادث الناتجة عن تجمعات الكلاب.

ولذلك شهدت السنوات الأخيرة تحولاً في أسلوب التعامل الرسمي مع المشكلة فبدلاً من الاعتماد على أساليب الإعدام الجماعي التي أثارت انتقادات واسعة من منظمات الرفق بالحيوان، بدأت الجهات المختصة التوسع في تطبيق برامج التعقيم والتطعيم وإعادة الإطلاق، وهي الطريقة التي توصي بها العديد من المؤسسات البيطرية الدولية.

غير أن الخبراء يؤكدون أن نجاح هذه البرامج يتطلب تغطية نسب كبيرة من الحيوانات خلال فترة زمنية محدودة، وهو ما يحتاج إلى موارد مالية وبشرية أكبر مما هو متاح حالياً مما يثقل كاهل الدولة وميزانيتها ببند اقتصادي محل خلاف كبير بين الكثيرين حول الجدوى والاولويات. 

وبالتأكيد الحل لا يكمن في التخلص من الكلاب أو تركها تتكاثر بلا ضوابط، بل يكمن في تبني استراتيجية وطنية شاملة ومحاولة إيجاد حلول تستهدف التوفيق بين حجم المشكلة وكلفه الحل فيمكننا النظر لبعض المقترحات الأتية:

تطوير منظومة إدارة المخلفات والقضاء على المقالب العشوائية.

تطبيق القتل الرحيم على بعض الحالات مثل العقور والمسعور والمريض مرض عضال  

إنشاء مراكز إيواء على أطراف المدن يتم النقل إليها على مراحل وفصل الذكور عن الإناث للحيوانات الضالة وهذا النموذج لا يعتمد على إنشاء بنية تحتية ضخمة أو أنفاق رأسمالي كبير. 

فتح باب التصدير للكلاب خاصاً للدول التي تستهدفهم للحراسة والتبني

فتح باب الشراكات مع الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص للمساهمة ضمن برامج المسؤولية المجتمعية في تمويل حملات التطعيم وحملات الرعاية

تفعيل حملات التوعية للمواطنين لمنع الإطعام العشوائي للمساعدة في خفض أعداد الكلاب

وأخيراً استهداف البؤر الساخنة بالتطعيم والتعقيم كحل سريع لبعض المناطق العالية الكثافة والتي تشهد شكاوى كثيرة لحين إتمام عملية النقل

وفي النهاية لا يمكن النظر إلى الكلاب الضالة باعتبارها مجرد مشكلة حيوانية أو قضية خدمية، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة العلاقة بين الإنسان وبيئته فكل شارع تملؤه المخلفات، وكل نظام بيئي يفتقد التوازن، يخلق ظروفاً تسمح بتفاقم هذه الظاهرة.

ولهذا فإن نجاح مصر في إدارة ملف الكلاب الضالة لن يقاس فقط بانخفاض أعدادها، بل بقدرتها على بناء منظومة بيئية وصحية متكاملة تعالج الأسباب قبل النتائج، وتحافظ في الوقت نفسه على سلامة المواطنين وحقوق الحيوان والتوازن البيئي إنها معركة تنموية وبيئية في المقام الأول معادلة التوازن بين الأنسان وبيئته.

فهي تتطلب رؤية طويلة المدى تتجاوز الحلول المؤقتة إلى بناء مستقبل أكثر استدامة يتماشى مع رؤية مصر 2030 للقضاء على السعار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق