د. أمل منصور تكتب : أقسى أنواع الفقد .. أن يبقى الشخص ويختفي الشعور

صدى البلد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
د. أمل منصور تكتب : أقسى أنواع الفقد .. أن يبقى الشخص ويختفي الشعور, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:01 مساءً

يعتقد كثيرون أن الفقد يبدأ مع الرحيل، وأن الألم الحقيقي يسكن تلك اللحظة التي يغادر فيها شخص نحبه حياتنا، فتفرغ الأماكن من صوته، وتخلو الأيام من تفاصيله، وتصبح الذكريات هي الجسر الوحيد الذي يصلنا به. لكن الحياة تعلمنا مع الوقت أن هناك نوعًا آخر من الفقد أكثر قسوة وأشد إرباكًا، لأنه لا يأتي على هيئة وداع واضح، ولا يترك لنا فرصة للبكاء على نهاية معلنة، بل يتسلل بهدوء إلى العلاقة حتى يستقر في قلبها دون أن ينتبه إليه أحد.

إن أقسى أنواع الفقد ليس أن يرحل الشخص، بل أن يبقى حاضرًا ويختفي الشعور.

أن تراه كل يوم، وتتحدث معه كل يوم، وربما تشاركه المكان نفسه، لكنك تشعر أن المسافة بينكما أصبحت أبعد من أي مسافة جغرافية يمكن أن تفصل بين شخصين. أن يكون الجسد حاضرًا بينما تغيب الروح، وأن تبقى العلاقة قائمة في ظاهرها بينما يتآكل معناها في الداخل.

فالإنسان لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، بل يتعلق بما يشعر به معهم. يتعلق بالأمان الذي يمنحونه، والونس الذي يصنعونه، والاهتمام الذي يحيطونه به، والدفء الذي يملأ تفاصيله الصغيرة. لذلك فإن فقد هذه المشاعر قد يكون أكثر إيلامًا من فقد الشخص نفسه.

قد يرحل شخص نحبه فنحزن عليه، لكننا نعرف على الأقل ما الذي حدث. نعرف أن العلاقة انتهت وأن علينا أن نتعامل مع الواقع الجديد. أما الفقد الذي يحدث داخل العلاقة نفسها فهو أكثر تعقيدًا، لأن القلب يجد نفسه عالقًا بين وجود وغياب، بين قرب وابتعاد، بين حقيقة يراها بعينيه وشعور يناقضها تمامًا.

وهنا يبدأ الوجع الحقيقي.

فأحيانًا لا نفقد الإنسان نفسه، بل نفقد العلاقة التي كانت تجمعنا به. نفقد طريقته في السؤال عنا، وحرصه علينا، ولهفته لرؤيتنا، وشعوره بنا. نفقد تلك النسخة الجميلة من العلاقة التي كانت تجعل الأيام أكثر دفئًا واللحظات أكثر معنى.

ولهذا السبب تبقى بعض الجراح مفتوحة رغم أن أصحابها ما زالوا موجودين في حياتنا.

لأن الألم ليس في غياب الأشخاص، بل في غياب ما كانوا يمثلونه لنا.

المشاعر لا تموت غالبًا في لحظة واحدة. لا تستيقظ امرأة صباحًا فتجد أنها توقفت عن الحب، ولا يقرر رجل في مساء عابر أن قلبه أصبح فارغًا من الشعور. ما يحدث عادة أكثر هدوءًا وأكثر خطورة.

إنها عملية تآكل بطيئة.

كقطرة ماء تسقط على صخرة يومًا بعد يوم حتى تترك أثرها العميق.

كلمة لم تُقل.

اهتمام لم يُمنح.

وعد لم يُوفَ به.

خذلان صغير يتكرر مرات كثيرة.

غياب متكرر للحضور العاطفي.

ثم تبدأ المشاعر بالانسحاب خطوة خطوة دون أن يشعر أحد.

ومن بين كل الأسباب التي تضعف العلاقات، يبقى التجاهل هو القاتل الصامت الأكثر قسوة.

الخلافات قد تؤلم، لكنها تعني أن الطرفين ما زالا يهتمان بما يكفي للدخول في مواجهة. العتاب يدل على وجود رغبة في الإصلاح. حتى الغضب يحمل في داخله اعترافًا ضمنيًا بأهمية الطرف الآخر.

أما التجاهل فهو قصة مختلفة تمامًا.

التجاهل لا يصرخ، بل يهمس.

لا يهدم العلاقة دفعة واحدة، بل يستهلكها ببطء.

إنه يشبه شخصًا يمسك بزهرة جميلة ثم ينسى أن يسقيها حتى تذبل بين يديه.

ولعل أكثر ما يؤلم في التجاهل أنه يجعل الإنسان يشعر بأنه يتلاشى.

لا شيء يخنق المشاعر أسرع من أن يشعر أحد الطرفين أن وجوده وغيابه أصبحا سواء.

أن يتحدث فلا يُنصت إليه.

أن يشتاق فلا يجد اشتياقًا مماثلًا.

أن يبادر دائمًا بينما ينتظر الطرف الآخر دون أن يتحرك.

أن يقدم من وقته ومشاعره واهتمامه ما يكفي لبناء جسر كامل، بينما يقف الآخر مكتفيًا بالمشاهدة.

عندها لا تموت المشاعر بسبب نقص الحب، بل بسبب نقص الرعاية.

فالقلوب تشبه الحدائق أكثر مما نشبهها بالقصائد.

لا يكفي أن تزرع فيها الحب مرة واحدة، بل تحتاج إلى الاهتمام المستمر كي تبقى حية.

وبعض العلاقات لا تموت بالوداع... بل تموت بالإهمال.

الرجل أيضًا يتألم من هذا النوع من الفقد، رغم أنه لا يجيد دائمًا التعبير عنه.

هناك أشياء كثيرة لا يقولها الرجال. يحتفظون بها داخلهم ظنًا منهم أن الصمت أكثر قوة من الاعتراف. لكن الحقيقة أن الرجل يشعر بمرارة كبيرة عندما يدرك أن المرأة التي كانت تهتم بأدق تفاصيله أصبحت تتعامل معه كجزء عادي من يومها.

يشعر بالخذلان عندما يكتشف أن الحماس الذي كان يراه في عينيها تراجع، وأن المساحة التي كان يحتلها في قلبها لم تعد كما كانت.

وقد لا يصرح بذلك، لكنه يشعر به في أعماقه.

يشعر أنه فقد شيئًا لا يعرف كيف يستعيده.

ويشعر بالحيرة أكثر من الألم أحيانًا، لأن الشخص ما زال موجودًا، لكن الشعور الذي كان يربطه به لم يعد بالوضوح نفسه.

أما المرأة، فغالبًا ما تبدأ معاناتها قبل أن تظهر على السطح بوقت طويل.

فالمرأة لا تنسحب من العلاقة فجأة في أغلب الأحيان، بل تنسحب عاطفيًا على مراحل. تبدأ بمحاولات متكررة للفت الانتباه، ثم تنتقل إلى العتاب، ثم إلى الشرح والتوضيح، ثم إلى الصمت.

وليس لأن الصمت هو ما تريده، بل لأنها استنزفت كل الطرق الأخرى.

وأسوأ ما قد تشعر به المرأة ليس أن تكون غير محبوبة، بل أن تكون غير مرئية.

أن تشعر أن مشاعرها وجهودها ووجودها لم تعد تثير الانتباه الذي كانت تثيره سابقًا.

أن تتحول من أولوية إلى تفصيل.

ومن شغف إلى اعتياد.

ومن حلم إلى أمر مسلم به.

وهنا تبدأ المشاعر بفقدان بريقها شيئًا فشيئًا.

والاعتياد في حد ذاته ليس مشكلة، فكل العلاقات المستقرة تمر بمرحلة من الاعتياد الصحي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتياد إلى إهمال.

عندما يعتقد أحد الطرفين أن الحب أصبح مضمونًا إلى درجة أنه لا يحتاج إلى التعبير عنه.

عندما يظن أن الطرف الآخر سيبقى مهما حدث، وأن المشاعر قادرة على الصمود وحدها دون رعاية.

لكن الحقيقة أن الحب لا يعيش على الذكريات القديمة.

ولا يتغذى على ما قيل بالأمس.

الحب يحتاج إلى حضور متجدد.

إلى كلمة طيبة.

إلى اهتمام صادق.

إلى شعور دائم بأنك ما زلت مهمًا في حياة من تحب.

ولذلك فإن الحب وحده لا يكفي دائمًا لبقاء الشعور.

فكم من شخصين أحبا بعضهما بصدق، ثم أضاعا ما بينهما بسبب تراكم الإهمال والتجاهل.

وكم من علاقة كانت تملك كل مقومات الاستمرار، لكنها خنقت نفسها بنفسها لأنها توقفت عن العناية بمشاعر الطرف الآخر.

إن بعض الناس لا يهدمون علاقاتهم بالخيانة أو الكذب أو الأخطاء الكبيرة.

بل يهدمونها بطريقة أكثر هدوءًا.

يهدمونها بعدم السؤال.

بتأجيل الاهتمام.

بافتراض أن الفرص لا تنفد.

وبالتعامل مع القلب الذي يحبهم وكأنه سيظل نابضًا لهم إلى الأبد مهما فعلوا.

لكن القلوب تتعب.

والمشاعر تذبل.

والإنسان مهما كان محبًا يحتاج إلى أن يشعر بأنه محبوب أيضًا.

ومن أكثر اللحظات وجعًا تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الشعور قد تغيّر.

لا توجد صفارات إنذار.

لا توجد لحظة درامية واضحة.

كل ما في الأمر أنه ينتبه فجأة إلى أن شيئًا كان يملأ قلبه أصبح أقل حضورًا.

أن الحماس تراجع.

وأن الشوق لم يعد كما كان.

وأن الكلمات فقدت جزءًا من وهجها.

وأن العلاقة التي كانت تمنحه الدفء أصبحت تمنحه الحيرة.

وهنا يبدأ الحزن على شيء لم يمت بالكامل، لكنه لم يعد حيًا كما كان.

وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل بعض الناس يبكون على علاقة ما زالت مستمرة.

يبكون على النسخة القديمة منها.

على الأيام التي كانت أجمل.

على التفاصيل التي اختفت.

على الشعور الذي كان يمنحهم الحياة.

فأحيانًا لا نبكي على الشخص... بل على ما كان بيننا.

وهذه من أكثر الحقائق إيلامًا في العلاقات الإنسانية.

ومع ذلك، ليست كل المشاعر التي تذبل محكومًا عليها بالموت.

فبعض العلاقات يمكن إنقاذها إذا امتلك الطرفان الشجاعة للاعتراف بما يحدث.

إذا توقفا عن افتراض أن الطرف الآخر يعرف كل شيء.

إذا عادا إلى الإنصات بدل الاكتفاء بالسماع.

إذا تذكرا أن الحب ليس شعورًا فقط، بل مسؤولية أيضًا.

مسؤولية الحفاظ على ما هو جميل قبل أن يضيع.

ومسؤولية ملاحظة التغيرات الصغيرة قبل أن تتحول إلى فجوات كبيرة.

فالقلوب لا تطلب المستحيل.

إنها تطلب فقط أن تشعر بأنها ما زالت مهمة.

وأن وجودها ما زال يصنع فرقًا.

وأن الشخص الذي تحبه ما زال يختارها كل يوم، لا لأنه مضطر، بل لأنه يريد ذلك.

وفي النهاية، يبقى الفقد المؤلم هو ذلك الذي لا نستطيع أن نرثيه بوضوح. الفقد الذي لا يحمل تاريخ رحيل محددًا ولا كلمة وداع أخيرة. الفقد الذي يجعلنا ننظر إلى شخص ما زال موجودًا أمامنا، ونتذكر في الوقت نفسه أنه كان يومًا أقرب إلينا مما هو الآن.

إن أقسى أنواع الفقد حقًا ليس أن يغادر الناس حياتنا، بل أن تغادر المشاعر قلوبهم بينما يظلون في أماكنهم.

فبعض الأشخاص يأخذهم السفر، وبعضهم يأخذهم القدر، لكن آخرين يأخذهم الإهمال البطيء والتجاهل المتكرر حتى يصبحوا غرباء وهم ما زالوا يجلسون إلى جوارنا.

وعندها ندرك أن الوداع ليس دائمًا بابًا يُغلق خلف راحل، بل قد يكون شعورًا يغادر بصمت تاركًا وراءه شخصين ما زالا معًا... لكن كل واحد منهما يقف على ضفة مختلفة من القلب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق