بلال قنديل يكتب: وحدة بوحدة

صدى البلد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بلال قنديل يكتب: وحدة بوحدة, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 10:34 مساءً

هناك أشياء كثيرة قد تختلف فيها الاراء، لكن شيئا واحدا يكاد يتفق عليه الجميع، وهو ان الدنيا لا تنسى. قد تتأخر الحسابات، وقد تتبدل الوجوه والأماكن والظروف، لكن ما يفعله الإنسان يظل يدور في دوائر الحياة حتى يعود اليه في وقت لم يكن يتوقعه. ولهذا كان المثل الشعبي البسيط والعميق في معناه يقول: وحدة بوحدة.

ليست المسألة انتقاما ولا تصفية حسابات، بل هي سنة من سنن الحياة. فمن يزرع الاحترام يحصد الاحترام، ومن يزرع المحبة يجد من يحبه، ومن يتعمد ايذاء الناس غالبا ما يتذوق من نفس الكأس يوما ما. ربما ليس من الشخص نفسه، وربما ليس في نفس الموقف، لكن الحياة دائما تجد طريقتها في اعادة الدروس الى اصحابها.

كم من شخص استهان بمشاعر غيره ثم اشتكى بعد سنوات من قسوة الناس عليه. وكم من انسان اغلق بابه في وجه محتاج، ثم وجد نفسه في يوم من الايام يبحث عمن يمد له يد العون. وكم من مسؤول استغل سلطته وتعامل بتكبر مع من حوله، ثم تغيرت الظروف واصبح في المكان الذي كان يضع فيه الاخرين.

العجيب ان بعض الناس يظنون ان القوة دائمة، وان الفرصة لن تأتي لغيرهم. يتعاملون مع من حولهم بمنطق انهم لن يحتاجوا اليهم ابدا. يجرحون هذا، ويظلمون ذاك، ويسخرون من ثالث، وكأن الايام وقفت عند لحظة معينة. لكن الايام لا تعرف الثبات، وهي بارعة في تبديل المواقع. من كان في الاعلى قد يجد نفسه في الاسفل، ومن كان يملك القرار قد يصبح منتظرا لقرار غيره.

ولهذا كان العقلاء دائما يحذرون من ظلم الناس. ليس فقط خوفا من العقاب، بل ادراكا منهم ان كل فعل يترك اثرا، وكل كلمة تخرج من الفم قد تعود الى صاحبها بطريقة او باخرى. حتى في ابسط الامور، تجد من يستخف بمشاعر الاخرين ويعتبر الامر مزاحا، ثم يغضب عندما يتعرض للموقف نفسه. وكأن ما يرضاه لنفسه يرفضه حين يعود اليه.

ووحدة بوحدة لا تعني الشر فقط. فكما يعود الاذى الى صاحبه، يعود الخير ايضا. من يقف بجوار الناس وقت الشدة يجد من يقف بجواره عندما يحتاج. ومن يخفف عن غيره يجد من يخفف عنه. ومن يصنع المعروف دون انتظار مقابل يكتشف ان المعروف لا يضيع، بل يعود اليه في صورة اخرى ومن باب لم يكن يتوقعه.

الحياة ليست محكمة سريعة الاحكام، لكنها دقيقة بشكل يثير الدهشة. قد يظن البعض انهم افلتوا مما فعلوا، لكن الايام تحتفظ بسجلاتها الخاصة. ولذلك كان اجمل ما يمكن ان يفعله الانسان هو ان يعامل الناس كما يحب ان يعاملوه. لا لانه ينتظر المكافأة، بل لانه يعرف ان ما يرسله الى الحياة سيعود اليه يوما ما.

وفي النهاية تبقى القاعدة بسيطة جدا. لا تفرح بدمعة تسببت فيها، ولا تستهين بقلب كسرته، ولا تتباه بسلطة استخدمتها في غير حق. فالدنيا تدور، والمواقف تتبدل، والايام تعلم الجميع الدرس نفسه. وربما تختصر كل هذه المعاني جملة واحدة يقولها الناس منذ سنوات طويلة: وحدة بوحدة، والبادي اظلم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق