يصل بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى فرنسا حاملًا رسالة السلام والإنسانية خلال زيارة تمتد من الجمعة 25 سبتمبر وحتى الاثنين 28 سبتمبر، في برنامج يجمع محطات روحية وإنسانية ودولية وأوروبية.
وتصف أوساط فرنسية الزيارة بأنها “تاريخية” لارتباطها بتوقيت دقيق يشهد انعكاسات أزمتي أوكرانيا والشرق الأوسط على حياة المواطنين في فرنسا، ولكونها الرحلة الخارجية الخامسة للبابا ليون الرابع عشر، والأولى له إلى البلاد منذ اعتلائه كرسي البابوية. كما تعد أول إطلالة بابوية رسمية على الأراضي الفرنسية بعد زيارة البابا بنديكت السادس عشر عام 2008.
وتحمل الزيارة طابعًا مزدوجًا؛ إذ تُعد زيارة بابوية وفق التصنيف المعتمد لدى دولة الفاتيكان، وفي الوقت نفسه زيارة رئيس دولة. وبحسب ما ورد، جرى تكييف البروتوكول الجمهوري المعتاد بما يتناسب مع طبيعتها الروحية، مع الاستغناء عن بعض الطقوس التقليدية للزيارات الرسمية مثل استعراض القوات العسكرية في قصر الإنفاليد وموكب الخيالة على جادة الشانزليزيه، للتركيز على الرسالة المحورية الداعية إلى السلام والأخوة والاهتمام بالشباب.
لقاء ماكرون ومناقشات تشمل المناخ والذكاء الاصطناعي
تبدأ الزيارة في باريس، حيث يلتقي البابا الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. ووفق مصدر مسؤول بالرئاسة الفرنسية، تشمل المحادثات ملفات المناخ والذكاء الاصطناعي، والأزمات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها السلام في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إضافة إلى قضايا مجتمعية فرنسية داخلية مثل النقاش حول قانون “نهاية الحياة” وحماية القاصرين.
وفي إطار الفصل بين الدولة والدين الذي يقوم عليه النظام العلماني الفرنسي، لن يحضر رئيس الجمهورية أيًا من القداديس الثلاثة المقررة خلال الزيارة في باريس ولورد ومتز؛ إذ سيمثله رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في قداس العاصمة. وسيقتصر حضور ماكرون الشخصي على الشق الرسمي في باريس واللقاء الأوروبي في مدينة متز.
اليونسكو ونوتردام ولقاء الشباب
ضمن برنامجها الدولي، يتوجه البابا إلى مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، حيث تؤكد اليونسكو أن زيارته تأتي بدعوة من مديرها العام الدكتور خالد العناني، ويلقي خطابًا رسميًا أمام المجتمع الدولي وأسرة اليونسكو. وتذكر اليونسكو أن هذه الزيارة هي الأولى لبابا إلى المنظمة منذ زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1980.
وترتبط محطة اليونسكو برسالة البابا العامة “Magnifica Humanitas” التي وقعها في 15 مايو الماضي، والتي تتناول حماية الشخص الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي، وتطرح مبادئ مرتبطة بكرامة الإنسان والعدالة والسلام. ووفق المادة، تضع الزيارة الذكاء الاصطناعي في سياق يرتبط بالتعليم والثقافة وحرية الفكر والإبداع والكرامة الإنسانية.
وبعد اليونسكو، ينتقل البابا إلى كاتدرائية نوتردام في باريس للمشاركة في صلاة الغروب مع الأساقفة والكهنة والشمامسة وأفراد الحياة المكرسة وطلاب الإكليريكيات. ثم يتوجه إلى مدينة سان دوني للقاء الشباب في ملعب فرنسا “ستاد دو فرانس”.
كما تتضمن أجندة الزيارة لقاءين بعيدًا عن الأضواء الرسمية: الأول مع مهاجرين ولاجئين، والثاني في لورد مع ضحايا الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة.
قداس ساحة الكونكورد وحضور متوقع
في اليوم التالي السبت 26 سبتمبر، يترأس البابا قداسًا في الهواء الطلق في ساحة الكونكورد. ووفق ما ورد، تتوسط المسلة المصرية ساحة التجمع، وتمتد المنطقة المخصصة للجمهور إلى جادة الشانزليزيه والمناطق والشوارع المحيطة بقلب باريس.
وتشير المادة إلى أن عدد المسجلين للحضور بلغ نحو 600 ألف شخص عند إغلاق التسجيل في 16 سبتمبر وفقًا لأبرشية باريس. وبسبب الإقبال الكبير، أعلنت الأبرشية توسيع المنطقة المخصصة للجمهور لتشمل ساحة النجمة وشارع لا جراند أرميه، إلى جانب المساحة الممتدة حول ساحة الكونكورد وجادة الشانزليزيه.
بعد القداس، يغادر البابا باريس متوجهًا إلى مدينة لورد لزيارة مغارة الظهورات في مزار سيدة لورد. ثم يواصل برنامجه بلقاء الأساقفة الفرنسيين والاحتفال بالقداس في باحة المزار، إضافة إلى لقاءات مع العاملين والمرضى والراهبات.
حوار بين الأديان وقداس متز
في آخر أيام الزيارة، 28 سبتمبر، ينتقل البابا إلى مدينة متز حيث يشارك في حوار بين الأديان، ثم لقاء بعنوان “إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة”، قبل أن يترأس قداسًا في كاتدرائية سانت إتيان.
وذكرت الرئاسة الفرنسية أن رئيس الجمهورية والسيدة بريجيت ماكرون سيتوجهان إلى مدينة متز يوم الاثنين للمشاركة في لقاء “إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة” في مركز المؤتمرات بحضور قداسة البابا، إلى جانب عدد من رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين.
إجراءات أمنية مشددة ونشر قوات
وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، يُتوقع حضور نحو مليون شخص في باريس سواء للمشاركة في القداس في الهواء الطلق أو لتحية البابا خلال تنقلاته في الشوارع. وتذكر المادة أن نحو 15 ألف عنصر من قوات الأمن والشرطة والدرك والقوات المتنقلة وعناصر عملية “سانتينيل” سيتم تعبئتهم لتأمين الفعاليات بالعاصمة. كما سيشارك نحو 2500 من رجال الإطفاء في باريس لتأمين الفعاليات والتدخلات الطارئة.
وفي لورد، سيجري نشر أكثر من 3 آلاف عنصر من قوات الأمن إلى جانب أكثر من 1100 من أفراد الدرك. أما في متز فستشهد تعبئة آلاف من عناصر الشرطة والدرك لتأمين مسار البابا والتجمعات المقررة.
وتشير المادة إلى أن وزارة الجيوش الفرنسية أعلنت نشر منظومة خاصة للأمن الجوي طوال فترة الزيارة تشمل وسائل للمراقبة والدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيرة، إضافة إلى طائرات “رافال” ومروحيات “فينيك” وعلى متنها رماة ووسائل للكشف والاستطلاع وأنظمة للدفاع أرض-جو؛ بهدف تعزيز إجراءات قوات الأمن الداخلي وتأمين المجال الجوي فوق المدن الثلاث باريس ولورد ومتز ورصد أي طائرات أو طائرات مسيرة قد تشكل خطرًا على الشخصيات أو الجمهور أو تعرقل الفعاليات.
وتتحمل الدولة الفرنسية جانبًا رئيسيًا من تكاليف الزيارة ضمن مهامها السيادية لتأمين التجمعات والشخصيات وتعبئة عناصر الشرطة والدرك وقوات عملية “سانتينيل”، إضافة إلى التغطية الجوية والطبية وإدارة المرور والنظافة العامة. وفي المقابل يظل تمويل الشعائر الدينية منفصلًا تمامًا عن المال العام التزامًا بمبدأ العلمانية وقانون 1905 القاضي بفصل الكنائس عن الدولة.
