مع انتشار أدوات التزييف الرقمي التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، باتت مقاطع الفيديو والصور والأصوات قادرة على الظهور بشكل “حقيقي” رغم أنها لم تُنتَج من قبل أصحابها، وهو ما يفتح الباب أمام جرائم ابتزاز إلكتروني وتشهير.
وخلال تصريحات تلفزيونية، حذر ثلاثة خبراء من مخاطر المحتوى المفبرك، وقدموا خطوات للتعامل معه عند استخدامه بهدف الابتزاز أو التشهير.
كيف تُصنع الفيديوهات المفبركة؟
قال محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استنساخ ملامح الأشخاص ووضعهم داخل مشاهد أو مواقف لم تحدث بالفعل.
وأوضح الحارثي أن الفيديوهات المفبركة بالذكاء الاصطناعي تنقسم إلى نوعين: الأول يتم توليده بالكامل، بينما يعتمد النوع الثاني على دمج محتوى حقيقي مع مقاطع أو عناصر مصطنعة.
وأشار إلى أن الفحص الفني المتخصص يمكنه تحديد طبيعة المحتوى المفبرك وكذلك الأدوات المستخدمة في إنتاجه، بما يتيح تتبع مصدر المحتوى ومسار تداوله.
الابتزاز والتشهير.. وكيف تتعامل الضحية
وأكد الحارثي أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن إساءة استخدامها في جرائم الابتزاز الإلكتروني والتشهير، مشيرًا إلى أن التلاعب بصورة شخص وإرسالها إليه بهدف ابتزازه يمثل واقعة تستوجب المساءلة القانونية.
ولفت إلى أهمية الاحتفاظ بأصل المحتوى في حالات الابتزاز الإلكتروني، موضحًا أن حذف المحتوى من جانب المتهم لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إليه أو تحديد مصدره.
وشدد على أن الإسراع في حذف الأدلة من جانب الضحية قد يحرمها من معلومات مهمة يمكن الاستفادة منها عند فحص الواقعة، بينما الاحتفاظ بالمحتوى الأصلي والبيانات المرتبطة به يساعد في توثيق ما حدث.
وحذر الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، من خطورة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعديل الصور وإنتاج محتوى مخالف للحقيقة، مؤكدًا أن تتبع مصدر بعض الانتهاكات والمحتوى المفبرك ممكن تقنيًا عبر الحسابات التي بدأت منها عملية النشر، إلا أن التحدي يتمثل في الكم الهائل من المحتوى على الإنترنت.
وأشار عزام إلى أن إعادة نشر الصور والمحتوى المفبرك تسهم في انتشارها بصورة أسرع، وقد تحولها إلى محتوى واسع التداول حتى بين أشخاص لم يتابعوا الحساب الأصلي الذي نشرها.
انتحال الصوت وتوسيع نطاق الخداع الرقمي
وفي السياق ذاته، حذر المهندس أحمد طارق، خبير تكنولوجيا المعلومات، من مخاطر استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في الجرائم الإلكترونية، مؤكدًا إمكانية استخدامها في عمليات الابتزاز وانتهاك الخصوصية.
وقال طارق إن من الضروري التمييز بين استخدامات الذكاء الاصطناعي المشروعة وبين البرامج التي يمكن استغلالها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية.
وأشار إلى وجود أدوات قادرة على إنتاج صوت مختلف عن الصوت الحقيقي للمستخدم، بما يفتح الباب أمام صور جديدة من انتحال الهوية والخداع الرقمي. وشدد على أن مواجهة هذه الجرائم تحتاج إلى استخدام التكنولوجيا نفسها إلى جانب رفع وعي المستخدم وتأمين بياناته الشخصية.
ولفت إلى أنه سبق أن تحدث خلال تصريحات تلفزيونية عن إمكانية تسجيل صوت شخص وإنشاء نسخة مشابهة له باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ثم إنتاج مقاطع صوتية أو فيديوهات تتضمن تصريحات لم يقلها الشخص في الحقيقة.
خطوات وقائية عند التعرض لابتزاز إلكتروني
عند التعرض للابتزاز الإلكتروني، شدد الخبراء على أهمية التعامل السريع والهادئ مع الواقعة، مؤكدين أن الاستجابة لمطالب المبتز أو الدخول معه في مفاوضات قد تزيد من تعقيد الموقف.
- أكد الحارثي أن حذف المحتوى لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إليه أو تحديد مصدره، وأن الاستعانة بالفحص الفني يمكن أن تساعد في تتبع المحتوى ومسار تداوله.
- حذر الدكتور محمد عزام من إعادة نشر المحتوى المفبرك باعتبارها عاملًا يساعد على سرعة انتشاره وتحوله لمادة متداولة على نطاق واسع.
كما شدد الخبراء على البدء بخفض البيانات الشخصية المتاحة للعامة والحذر عند نشر الصور والمعلومات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى استخدام كلمات مرور قوية وتفعيل وسائل الحماية المتاحة للحسابات.
ودعوا أيضًا إلى التعامل بحذر مع الروابط والرسائل غير المعروفة وعدم منح التطبيقات أو المواقع صلاحيات تتجاوز احتياجاتها، خاصة عندما تتعلق البيانات بالصور أو التسجيلات الصوتية أو المعلومات الشخصية.
التوعية القانونية ودور الأسرة
طالب محمد الحارثي بإدراج التوعية القانونية والرقمية ضمن المناهج التعليمية بمختلف المراحل، مؤكدًا أن معرفة القواعد القانونية والتعامل الآمن مع التكنولوجيا يمثلان خط دفاع أساسيًا أمام جرائم الابتزاز الإلكتروني.
وشدد على ضرورة تعامل الأسر مع الفتيات والأبناء بالاحتواء والحوار والثقة، محذرًا من لوم الضحية أو تحميلها مسؤولية ما تعرضت له؛ معتبرًا أن الخوف من رد فعل الأسرة أو المجتمع قد يدفع الضحية إلى الصمت أو الاستجابة لضغوط المبتز، بينما يساعد الدعم الأسري الهادئ على تشجيعها على طلب المساعدة والتعامل مع الواقعة بطريقة أكثر أمانًا.
