قدّم الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للدار الكتب والوثائق القومية، محاضرة رئيسية ضمن فعاليات الاحتفال بالعيد 53 لانتصارات أكتوبر المجيدة، حملت عنوان «سيناء بوابة مصر الشرقية زمن الحروب الصليبية: جغرافية الغزو وخطوط الدفاع».
وأوضح الدكتور أسامة طلعت أن المحاضرة تهدف إلى إلقاء الضوء على تاريخ العمارة العسكرية بشكل عام وعصر الأيوبيين بشكل خاص، من خلال استعراض استراتيجية الدفاع عن مصر في تلك الفترة، بما يمكن الاستفادة منه في فهم وتحليل ما يحدث في عصرنا الحالي.
وأشار إلى أن اختيار موضوع المحاضرة جاء لتأكيد أبعاد القوة للدولة والرد على تساؤل حول سبب استهداف مصر ودور سيناء التاريخي، مؤكداً أن الحروب الصليبية لم تكن مجرد ذريعة معلنة زائفة، بل تخفي أهدافاً سياسية ومادية واستعمارية باطنة.
وتناول العرض ظروف المنطقة في منتصف القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، موضحاً أن الدولة الفاطمية بلغت أوج ضعفها داخلياً مع تسلط الوزراء على الخلفاء وتصارعهم على الوزارة والحكم، بينما تمثل الخطر الخارجي في استغلال الصليبيين لهذا الضعف إلى جانب ضعف الخلافة العباسية في العراق.
وبحسب العرض، جاءت الحملة الصليبية الأولى سنة 491هـ الموافق 1097م، حيث أُسست أربع إمارات هي أنطاكية والرهفا وطرابلس فضلاً عن مملكة بيت المقدس. وأشار إلى أن هذه الإمارات قسمت قلب المنطقة بين شرقها وغربها، وأن محاولات الصليبيين في الشام ارتبطت بمحاولة الاستيلاء على مصر وضمها إلى ملكهم، وهو ما دفع نور الدين محمود وأسَد الدين شيركوه إلى إرسال ثلاث حملات متزامنة إلى مصر انتهت بانتصار جيش نور الدين محمود بقيادة شيركوه سنة 564هـ الموافق 1169م.
كما تتبع الدكتور أسامة طلعت عمارة صلاح الدين الدفاعية وفقاً لموقعها وتطور الأحداث تاريخياً، موضحاً أن استراتيجية تحصين مصر اعتمدت دفاعاً عن محورين أساسيين: المحور الشرقي المتمثل في سيناء وصدر أيلة، والمحور الشمالي المتمثل في تنيس ودمياط والإسكندرية، مع قاعدة ارتكاز هي العاصمة مصر الفسطاط تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الهجوم على بيت المقدس والشام وصولاً إلى نصر حطين سنة 583هـ الموافق 1187م.
وذكر العرض تسلسلاً زمنياً لتحصينات صلاح الدين، بدءاً من سنة 566هـ الموافق 1170م بإعادة بناء أسوار الإسكندرية والاستيلاء على قلعة أيلة جزيرة فرعون الاستراتيجية بالطرف الشمالي لخليج العقبة من الصليبيين. وفي الفترة من 569 إلى 573هـ الموافق 1173 إلى 1177م جرى تحسين الجانب الشمالي والشرقي من القاهرة الفاطمية ببناء السور بين باب النصر وباب معروف مجازاً ببباب البرقية والمكتشف بمنطقة الدراسة.
وفي سنة 572هـ الموافق 1176م بدأ مشروع تحصين العاصمة المصرية وبناء سور صلاح الدين ليضم القاهرة الفاطمية والفسطاط معاً، مع بناء قلعة في الوسط على تل مجاور لجبل المقطم وهي قلعة صلاح الدين الآن. وأشار العرض أيضاً إلى بناء جسر أو قناطر الجيزة في نفس موضع شارع الهرم تقريباً لتيسير عبور القوات والسلاح إلى الجيزة ومنها إلى الإسكندرية وقت الفيضان، إضافة إلى زيارة صلاح الدين لدمياط وأمره بتجديد وإعادة بناء أسوارها وحصونها وإعادة تحصين تنيس وبناء قلعتها مرة أخرى.
وبحسب المحاضرة، ففي سنة 583هـ الموافق 1187م أمر ببناء قلعة صدر رأس الجندي بوسط سيناء على طريق عجرود ونخل وأيلة، وكذلك إعادة بناء قلعة أيلة المعروفة بقلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون لتأمين الطريق البري إلى الحجاز والشام. واعتبر العرض أن اكتمال خطة بناء خطوط الدفاع دفع صلاح الدين للتوجه نحو حطين، وأن انتصاره كان بداية النهاية للوجود الصليبي في الشرق.
وأضاف الدكتور أسامة طلعت أن من النتائج المباشرة لنصر حطين توجيه الحملات الصليبية الخامسة والسابعة إلى الكنانة وأرض المدد مصر، إلا أنها تحطمت وانتهت الحملة السابعة تحديداً بموقعة المنصورة الشهيرة وأسر لويس التاسع قائد الحملة.
وعلى هامش الندوة، شهدت الاحتفالية فقرة وفاء وتأبين استذكاراً لمسيرة العالم والفقيد الراحل الدكتور محمد عبد المقصود، حيث أُضيفت كلمات التقدير والامتنان لروح من رحلوا واهبين حياتهم لوطنهم، تاركين خلفهم إرثاً كبيراً وعلماً ينتفع به الأجيال في مجالات التاريخ والحضارة والآثار المصرية.
