شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب ندوة بعنوان «مستقبل العدالة في عصر الذكاء الاصطناعي»، بمشاركة الدكتور محمد طلعت سعيد رئيس الاستئناف بالمحاكم الاقتصادية والمحاضر في مجال القانون التجاري الإلكتروني، والمهندس زياد عبد التواب خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، وأدار اللقاء الدكتور محمد أبو علي أستاذ النقد والبلاغة بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة دمنهور.
وتأتي الندوة ضمن فعاليات المعرض الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة.
الذكاء الاصطناعي في القانون: فرص وتحديات
وتناول الدكتور محمد طلعت سعيد التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، وانعكاساتها على حقوق المواطنين ومسؤولياتهم، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تقنية تقتصر على المتخصصين، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية بما يتيحه من فرص للتعلم والبحث وإنجاز الأعمال وتحليل المعلومات.
وشدد سعيد على ضرورة نشر الوعي المجتمعي بكيفية استخدام هذه التقنيات بصورة مسؤولة وآمنة، مع إدراك حدودها ومخاطرها المحتملة، خاصة فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية وعدم مشاركة المعلومات السرية أو المستندات الحساسة مع التطبيقات دون التحقق من مستويات الأمان والخصوصية.
كما أكد أهمية تحمّل المستخدم مسؤولية المعلومات والمحتوى الذي ينشره أو يعتمد عليه، وعدم التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقائق مؤكدة، أو اعتبارها بديلًا عن التحقق من المعلومات ومراجعتها بشريًا.
وناقش سعيد مخاطر الاعتماد غير الواعي على الذكاء الاصطناعي في المسائل القانونية أو اتخاذ القرارات التي قد تؤثر في حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية، موضحًا أن سهولة الوصول إلى المعلومات لا تضمن صحتها، وأن الاستعانة بأداة ذكية لا تعفي المستخدم من المسؤولية عن النتائج المترتبة على استخدامها.
واستعرض دور الدولة في دعم العدالة في العصر الرقمي عبر تطوير الخدمات القضائية الإلكترونية وتعزيز كفاءة المؤسسات وتدريب الكوادر البشرية ووضع الأطر القانونية والضوابط الأخلاقية للاستخدام الآمن للتكنولوجيا، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وخصوصية المتقاضين واستقلال القضاء وحياده.
وشدد على أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني يجب أن يستند إلى مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، وأن تظل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز العدالة وتيسير الوصول إليها لا سببًا في الانتقاص من الضمانات القانونية أو إضعاف الثقة في المؤسسات.
تطور التقنية ومخاطرها ودور الدولة والتعاون الدولي
ومن جانبه، استعرض المهندس زياد عبد التواب تاريخ الذكاء الاصطناعي وتطوره على مدار العقود الماضية، موضحًا أن التقدم الكبير في القدرات الحسابية للأجهزة وارتفاع سرعات الشبكات وزيادة أعداد مستخدمي الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلى جانب رقمنة المعارف أسهمت في تهيئة البيئة اللازمة للتطور المتسارع لهذه التقنيات وتحقيق نتائج لافتة.
وتناول مراحل تطور الذكاء الاصطناعي بداية من تعلم الآلة والتعلم العميق وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيلي الذي يستطيع تنفيذ مهام متعددة وتحديد خطوات العمل واختيار البدائل وفقًا للأهداف المحددة، مع اختلاف مستويات استقلاليته بحسب النظام المستخدم.
وأشار عبد التواب إلى الإشكاليات المرتبطة بهذه التطورات، وفي مقدمتها التحيز في النماذج والخوارزميات وانتهاك حقوق الملكية الفكرية والتأثير المحتمل في القدرات العقلية للمستخدمين خاصة الأطفال، مؤكدًا ضرورة تعزيز الوعي بهذه المخاطر ووضع أطر واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وتنظيم تطوير نماذجه وتطبيقاته.
كما طرح أهمية تعزيز التعاون الدولي في تنظيم الذكاء الاصطناعي ومناقشة مقترح إنشاء وكالة دولية متخصصة على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية لوضع قواعد مشتركة للتعامل مع التطورات المتسارعة والحد من المخاطر.
الذكاء الاصطناعي داخل المحاكم: أداة مساعدة
وتطرق عبد التواب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في العملية القضائية ودوره المحتمل في دعم تحقيق العدالة وتنظيم العمل بين أطراف المنظومة القانونية، مشددًا على ضرورة أن يظل أداة مساعدة للإنسان لا بديلًا عنه في ممارسة مسؤولياته المهنية أو اتخاذ القرارات النهائية.
وفي السياق نفسه، ناقش اللقاء فرص الاستفادة من هذه التقنيات في مساعدة المحامين والقضاة عبر البحث القانوني وتحليل المستندات وإدارة الملفات وصياغة العقود والمذكرات، مع التأكيد على ضرورة مراجعة المخرجات والتحقق من مصادر المعلومات وصحة النصوص القانونية والأحكام القضائية التي تستند إليها الأنظمة المستخدمة.
وأكدت المناقشات أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تلغي أهمية الخبرة المهنية، بل تفرض على العاملين في المجال القانوني تطوير مهاراتهم التقنية وفهم آليات عمل هذه الأدوات والقدرة على اكتشاف الأخطاء والمعلومات غير الدقيقة والتحيزات المحتملة في نتائجها.
وشدد المشاركون كذلك على أهمية اختبار المخرجات ومقارنتها بالبدائل المختلفة والرجوع إلى المصادر القانونية الأصلية للتحقق والتوثيق، خاصة أن بعض الأنظمة قد تنتج معلومات تبدو منطقية وصياغات قانونية متماسكة رغم استنادها إلى مصادر غير صحيحة أو نصوص لم تعد سارية.
