حذّر الدكتور علاء الغندور، استشاري تعديل السلوك والصحة النفسية، من نمط «الأبوة والأمومة الهليكوبتر» الذي يقوم على التدخل المفرط في تفاصيل حياة الأبناء اليومية، مؤكدًا أنه قد يقود إلى تراجع الاستقلالية وبناء شخصيات «هشة» غير قادرة على مواجهة الواقع.
وقال إن المصطلح يشير إلى نمط تربوي يتمثل في الحضور الدائم للوالدين فوق الطفل، والتدخل في كل ما يتعلق بحياته الدراسية والشخصية والاجتماعية على مدار الساعة، بدلًا من أن تكون الرعاية المكثفة وسيلة لبناء طفل قوي ومتميز.
كيف تتحول الحماية المفرطة إلى ضعف في الاستقلال؟
وأوضح الدكتور علاء الغندور أن هذا الأسلوب يحرم الطفل من فرصة تجربة التعثر والتعلم من الأخطاء، ومع الرقابة المشددة والحضور المستمر للأبوين في كل مواجهة يخوضها الطفل، تصبح النتائج عكسية؛ إذ ينتهي الأمر بتقديم شخصيات قلقة تعجز عن اتخاذ قراراتها أو تحمل مسؤولياتها عند الاصطدام بالواقع الخارجي.
وأضاف أن نمط «آباء الهليكوبتر» ينبع -بحسبه- من قلق نفسي مفرط لدى الأبوين ورغبة قسرية في إدارة المخاطر لمنع الأبناء من الشعور بأي ألم أو خيبة أمل، لافتًا إلى أن التدخل الدائم لحل واجبات الطفل المدرسية وتحديد أصدقائه أو التدخل السريع لحل خلافاته الصغرى مع زملائه يحرم الطفل من تطوير مهارات «المرونة النفسية» (Resilience).
تفاقم التأثير مع العمر ومرحلة الجامعة
وأشار استشاري تعديل السلوك إلى أن خطورة هذا الأسلوب تعظم كلما تقدم الابن في العمر ووصل إلى مرحلة الشباب والجامعة، موضحًا أن الآباء الذين مارسوا نمط الهليكوبتر في صغر الأبناء قد يجدون أنفسهم أمام شباب يعانون من اضطراب القلق العام والرهاب الاجتماعي، إضافة إلى ضعف حاد في القدرة على اتخاذ القرار السليم عند الوقوع تحت أدنى ضغط وظيفي أو أكاديمي.
كما حذر من الصورة السلبية التي قد يبنيها الابن عن ذاته تحت مظلة هذا التدخل، حيث يترسخ في وجدانه -وفقًا للحديث- انطباع بأن والديه يتدخلان لأنه «ضعيف ولا يمتلك الكفاءة»، وهو ما قد يفجر أزمات الثقة بالنفس ويجعله عرضة للاندفاع نحو الشك بالنفس والبحث الدائم عن موافقة الآخرين لرغباته، أو الانقلاب المفاجئ على الأسرة في صورة «تمرات غير حكيمة».
خطة للتعديل: التراجع للخلف والدعم عن بُعد
وشدد الدكتور علاء الغندور على أن تعديل هذا المسار يتطلب تحولًا فكريًا وسلوكيًا يبدأ -بحسبه- من شجاعة «التراجع للخلف» وإتاحة المساحة للابن ليكبر ويتحمل مسؤولية أفعاله.
وأوضح أن الخطة تقوم على الانتقال من دور «المسيطر والموجه المباشر» إلى دور «المستشار والداعم عن بُعد»، عبر السماح للطفل باختيار أنشطته وتنظيم وقته وتحمل نتائج تقصيره أو أخطائه الدراسية بأسلوب تربوي بناء.
واستكمل بأن ذلك يتضمن تدريب الأبناء تدريجيًا على مهام الحياة الأساسية مثل إدارة مصروفهم الشخصي واتخاذ قراراتهم البسيطة وإدارة خلافاتهم الاجتماعية بجهودهم الذاتية مع الاكتفاء بالتوجيه الهادئ عند الحاجة.
واختتم بالقول إن الحب الحقيقي للأبناء -وفقًا لحديثه- لا يتجسد في حملهم في كل خطوة أو بناء مظلة لحمايتهم من كل قطرة مطر، بل في تعليمهم كيف يحملون المظلة بأنفسهم ويثقون في قدراتهم لمواجهة رياح الحياة بثبات ونضج واستقلال.
