عصام السعيد يكتب عن محمد عبد الغني ويصفه بـ«العبادي الصغير»

نبذة عن المقال
أ.د عصام السعيد يستعرض في مقال ملامح المسار العلمي للدكتور محمد عبد الغني، وعلاقته بالدكتور مصطفى العبادي، وسبب تلقيبه بـ«العبادي الصغير».

أ.د عصام السعيد أستاذ الآثار بجامعتي الأسكندرية والسلطان قابوس، ودبلوماسي سابق

أ.د عصام السعيد أستاذ الآثار بجامعتي الأسكندرية والسلطان قابوس، ودبلوماسي سابق.

الدكتور محمد عبد الغني.. العبادي الصغير.

يقال إن المعاصرة حجاب.. بمعنى أن الناس إذا عاصرت شخصا عظيما قد ينحجب عنها مدى عظمته، وتنشغل بنقاط هامشية وأمور فرعية لدى تعاطيها معه، أو تنشغل بأمور شخصية بمعزل عن الجوهر العلمي والعملي.

ويقال إن المعاصرة حجاب حين يستعرض قارئ التاريخ انتقادات ومؤاخذات العلماء والمؤرخين والساسة والفقهاء على بعضهم البعض رغم عظم قدرهم.

حيث كثيرا ما ينشغل الأقران بالتنافس وإبداء الملاحظات والانتقادات على بعضهم البعض بصورة قد تحرمهم من الإدراك الموضوعي لقدر البعض وما يستحقونه من تقدير وتبجيل حتى مع الاختلاف مع نتاجهم العلمي وجهدهم العقلي.

ومع انغماسي في دراسة وتدريس التاريخ والحضارة المصرية القديمة، كثيرا ما لمحت هذا المعنى بين طيات الأحداث وفي مختلف الأزمنة، وكأنه قُدر على كثير من المبدعين والمخلصين والعلماء ألا يدركهم أو يقدرهم أهل زمانهم بالتقدير الذي يستحقونه.

وقد طافت بذهني كل هذه المعاني وأنا أتأمل أستاذ الدراسات اليونانية والرومانية القديمة، الدكتور محمد عبد الغني، متعه الله بالصحة والعافية، وأدامه رمزا من رموز جامعة الإسكندرية ومثقفا من طراز رفيع من مثقفي المدينة ورجلا من رجال الدولة المصرية المخلصين والعاقلين.

ورغم تخصصي في تاريخ مصر القديمة وحضارتها، وانغماسي في الأسرات المختلفة ورموزها وعقائدها وأزمانها، إلا أنني كثيرا ما انجذبت، في إطار اهتمامي بالدراسات اليونانية الذي يكاد يشكل شغفا موازيا عندي، ولا يقل أهمية عن عصر المصريين القدماء، وللدكتور عبد الغني نحو ثلاثين بحثا وأحد عشر مؤلفا، تغطي الحقبتين اليونانية والرومانية ببراعة فائقة، تتقافز بين الأدب والقانون والحياة الاجتماعية والممارسات السياسية والحقائق الجغرافية.

نحن إزاء مشروع علمي تام التبلور، يعكس شخصية محبة لما تفعل ومخلصة له على مدار عقود من العطاء العلمي المدهش، وتتنوع العناوين داخل هذا المشروع بحيث تتيح للباحث والمتعلم ذخيرة مدهشة، ومكتبة خاصة، سيذكرها التاريخ باسم الدكتور محمد عبد الغني.

وذات مرة، حضرت له محاضرة في مكتبة الإسكندرية عن حدود مصر القديمة منذ العصور اليونانية القديمة، وقد استعرض فيها ببراعة هذا الثبات الذي يكللها منذ آلاف السنين وحتى اليوم.

وبطبيعة الحال، قارنت النقاط التي أثارها والجوانب التي طرقها، بما أدركه كمتخصص في تاريخ مصر القديم، لأخلص إلى أن حدود بلادنا العظيمة ثابتة منذ العهد الفرعوني، وجال بخاطري الحملات التي كان يشنها الفرعون فور اعتلاءه كرسي الحكم لبسط هيمنته على حدود البلاد وللحفاظ عليها، بما يمثل قوام شرعيته، وقربان استرضاءه للآلهة التي كان يعتقد أنها تريده أن يحافظ على بلاده.

وقد تعقبت مؤلفات الدكتور محمد عبد الغني، والتقيته عدة مرات في إطار اهتمامي العلمي بالعصر البطلمي وارتباطاته بمصر القديمة، لأجد أن العلم الذي استقر بين جوانب هذا الرجل قد واتى أهله وقد حل في محله.

فقد وجدته آية من آيات الأدب والذوق والدراية والحنكة والتواضع، مثلما هو علم من أعلام الدراسات اليونانية والرومانية.

وقد ربطت الدكتور عبد الغني علاقة وثيقة بالدكتور مصطفى العبادي مؤسس مكتبة الإسكندرية الجديدة، لدرجة أن الباحثين يطلقون على الدكتور محمد عبد الغني لقب “العبادي الصغير”، من فرط ما تشرب منه من سمات وعلوم ورؤى.

وحين جالسته تعرفت منه على الأثر العميق الذي خلفه الدكتور العبادي في شخصه بمدى ما أولاه إياه من رعاية كطالب متفوق وتدخله لصالحه لأجل إتمام سفره إلى إيطاليا حين كان في الصف الثاني من الكلية، بعدما لحظ ترده عن السفر، فقد استقر في نفس الدكتور العبادي أن تلميذه يتنصل من السفر لضيق ذات اليد، فما كان منه إلا أن تصرف كأستاذ مسؤول وكمربي أجيال، وسلك المسالك المتاحة لأجل إرساله الطالب الأول على دفعته في هذه الرحلة العلمية.

وقد نادى الدكتور عبد الغني كثيرا بإنشاء تمثال للدكتور العبادي في مدخل المكتبة مثلما هو التمثال الموضوع لديمتريوس الفاليري، نظرا لفضل الدكتور العبادي في إنشاء المكتبة في العصر الحديث.

وقد لحظت اعتزاز الدكتور عبد الغني بذوي الفضل عليه في حياته، منذ أستاذه في طفولته ودراسته بالمراحل الأولى من التعليم صابر قمر الدولة الذي أولاه عناية فائقة، والأستاذ مجدي باسيلي في المدرسة الثانوية الذي كان يوصيه أن يذهب لأمه كي تبخره حتى لا تطاله العيون الحاسدة بأذى.

وكم تأثرت كثيرا باعتزاز الرجل بأصوله التي خرج منها وسط ظروف معيشية صعبة وسط إصرار أب مكافح وأم مثابرة على تعليم أبناءهم، وصولا باعتزازه بأساتذته جميعا، وفي كل مرة ألتقيه أقول بيني وبين نفسي هكذا هو خلق أهل العلم حقا.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#الدراسات اليونانية والرومانية#عصام السعيد#محمد عبد الغني#مصطفى العبادي#مكتبة الإسكندرية