حذر الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، من توظيف الصور والمقاطع المصورة خارج سياقها في التأثير على الرأي العام، مؤكدًا أن بعض المواد المتداولة قد تمنح انطباعًا مضللًا بوجود تجمعات أو تحركات شبابية لا تعكس الواقع.
وقال سلامة، خلال حديثه لـ«الوطن»، إن انتشار الصور التي تزعم وجود تجمعات أو تحركات شبابية يعكس ظاهرة يمكن وصفها بأنها «هندسة للانطباع العام»، موضحًا أن المنافسة الإعلامية لم تعد تقتصر على نقل الحدث، بل أصبحت تستهدف صناعة تصور ذهني عن حجمه وانتشاره وتأثيره.
وأضاف أن الصور التي توحي بوجود حشود كبيرة تمنح المتلقي انطباعًا بوجود حالة جماعية واسعة حتى قبل التحقق من حقيقة المشهد أو توقيته أو سياقه، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين وقوع الحدث بالفعل، وحجم المشاركة فيه، والانطباع الذي يمكن أن تصنعه الصورة عنه.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن التجمع قد يكون حقيقيًا لكن يجري تضخيم حجمه، أو قد تكون الصورة قديمة ويُعاد نشرها، أو تكون مفبركة ومصطنعة بالكامل، لافتًا إلى أن الخطورة تكمن في تحول الصورة إلى بديل عن المعلومة، وأن كثافة تداولها قد تُفسر خطأً باعتبارها مؤشرًا على صحة مضمونها.
وشدد سلامة على أن كثرة المشاهدات لا تعني بالضرورة كثرة المؤيدين، وأن الانتشار الرقمي لا يساوي تلقائيًا التأييد المجتمعي، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية استغلال التفاعل الإلكتروني في تضخيم صورة بعض التحركات وتقديمها باعتبارها تعبيرًا عن حالة عامة.
وفيما يتعلق بالدلالات السياسية وراء تداول صور مفبركة باعتبارها توثيقًا لتحركات حديثة مرتبطة بحملات «جيل Z»، قال سلامة إن إعادة توظيف الصور القديمة والمفبركة تُعرف في دراسات الإعلام بالتضليل البصري، أو محاولة إخراج المحتوى من سياقه، وهي ممارسة قد تؤدي إلى بناء رواية عن حدث لم يقع بالصورة التي يجري تقديمه بها.
وأشار إلى أن هذه الممارسة قد تحقق عدة آثار سياسية، من بينها الإيحاء باتساع حركة معينة، وخلق شعور بالزخم، والتأثير على تقديرات الجمهور بشأن حجم المشاركة، ودفع وسائل الإعلام إلى تداول الروايات والسرديات قبل التحقق منها.
ولفت سلامة إلى أن بعض المنصات المتخصصة وثقت خلال العام الجاري حالات أُعيد فيها تداول مقاطع قديمة باعتبارها توثيقًا لاستئناف احتجاجات شبابية في بعض الدول الآسيوية مثل الهند ونيبال في سياق الحديث عن «جيل Z»، رغم أن المقاطع تعود إلى تواريخ سابقة.
وأوضح أن هذه الأمثلة تؤكد أن المشكلة ليست افتراضية، لكنها لا تثبت وجود حملة موحدة في كل حالة مشابهة، مشددًا على أن المعيار لا يتمثل في مدى جاذبية الرواية أو توافقها مع التوقعات، وإنما في مدى استنادها إلى أدلة يمكن الاستعانة بها لفحصها.
وأضاف أن الصورة قد تُستخدم في السياسة لصناعة رواية، لكن الرواية لا تصبح حقيقة لمجرد أنها مدعومة بصورة، موضحًا أن الرواية المكذوبة لا تتحول إلى حقيقة لمجرد إسنادها إلى صورة وإن كان لها تأثير.
وحول كيفية التمييز بين التجمعات الحقيقية على الأرض والصور التي يجري التلاعب بها لإعطاء انطباع بوجود حراك أوسع من الواقع، قال سلامة إن التحقق يمكن أن يتم من خلال فحص توقيت الصورة وتاريخ نشرها والفترة الزمنية التي التُقطت خلالها، إلى جانب التحقق من الأماكن والمصادر الأصلية للصور خاصة إذا كانت قد أُعيدت مشاركتها.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا في هذا السياق لا سيما مع تطور تقنيات فبركة الصور، ما يستدعي التحقق من مدى أصالة المحتوى سواء من خلال فحص الزمن والمكان والمصادر الأصلية أو الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للتحقق مما إذا كانت الصورة مفبركة أم لا.
وأكد سلامة أن الصورة والفيديو وغيرها من العناصر أصبحت مؤثرة في تشكيل أجندة الرأي العام والأجندة الإعلامية عمومًا، موضحًا أن المحتوى المتداول على نطاق واسع قد يستقطب اهتمامًا يفوق حجم الحدث نفسه ويتحول إلى «تريند».
وأشار إلى أن بعض الحالات قد تشهد فجوة بين الزخم الظاهري على المنصات ومستوى المشاركة الفعلية على الأرض، موضحًا أن هناك ثلاثة مستويات ينبغي التمييز بينها هي التعبئة الرقمية عبر الإنترنت والتنظيم الميداني والتضخيم الإعلامي، وقد تعمل هذه المستويات معًا أو يعمل كل منها بصورة منفصلة.
وأضاف سلامة أن التحركات الرقمية ينبغي النظر إليها بحذر، لافتًا إلى أنها قد تتحرك في إطار أجندات وتمويلات، وأن استخدام التكنولوجيا الحديثة يعزز الوجود الافتراضي، مؤكدًا أن الميدان لم يختفِ لكن أدوات التأثير في العمل السياسي بدأت تتزايد.
وفيما يتعلق بالأهداف التي قد تسعى الجهات القائمة على هذه الحملات إلى تحقيقها من خلال ترويج شعارات تجمعات لم تحدث، أوضح سلامة أن ذلك قد يستهدف خلق انطباع زائف باتساع نطاق التأييد وإحداث حالة من الارتباك في التقديرات المتعلقة بالحدث واستقطاب مزيد من التفاعلات فضلًا عن تقديم معلومات غير دقيقة قد تدفع الجهات المسؤولة إلى اتخاذ مواقف غير صحيحة.
وفي النهاية، فإن مواجهة التضليل تبدأ بكشف مصادر الصور والمقاطع المتداولة ومراجعة تواريخها وسياقاتها وعدم التعامل مع الانتشار الرقمي باعتباره دليلًا على حقيقة الوقائع.
