قالت الدكتورة رحاب الرحماوي، المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إن الحروب النفسية لم تعد تعتمد على الدعاية السياسية والإذاعات الموجّهة والشائعات التقليدية، بل انتقلت إلى فضاء رقمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع خوارزميات منصات التواصل وتقنيات التزييف العميق، بما يسمح بإنتاج محتوى مضلّل يصعب أحيانًا تمييزه عن الحقيقة.
وأوضحت الرحماوي، في حوارها، أن الحرب النفسية ليست ظاهرة جديدة، لكن ما تغيّر هو سرعة الوصول إلى الجمهور ودقة استهدافه، ففي ستينات القرن الماضي كانت تعتمد على الإذاعات الموجّهة والمنشورات والخطب السياسية والشائعات بهدف التأثير في معنويات الخصم وإضعاف ثقته في قيادته، ومع ظهور القنوات الفضائية والإنترنت انتقل التأثير إلى شبكات أوسع، وأصبح الجمهور نفسه مشاركًا في نشر الرسائل.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي يتيح اليوم إنتاج كميات ضخمة من المحتوى ومحاكاة الأصوات والوجوه وتخصيص الرسائل وفق اهتمامات الفئات المستهدفة ومخاوفها، مشيرة إلى أنه أضاف ثلاث قدرات أساسية إلى الحرب النفسية هي سرعة إنتاج المحتوى وتخصيص الرسائل والتكيّف مع استجابة الجمهور.
وفي ما يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي في الرأي العام، قالت الرحماوي إنه يمكن إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية بلغات وأساليب مختلفة ثم تعديلها وفقًا لمستوى التفاعل، لكن ذلك لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يضمن السيطرة على الرأي العام أو أن التأثير الرقمي أصبح بديلًا عن المواجهة التقليدية، بل أصبح أحد أبعاد الصراع المتكاملة معها.
وعن خطورة تقنيات التزييف العميق، أوضحت أنها تكمن في قدرتها على تصنيع دليل بصري أو صوتي يبدو وكأنه يوثّق واقعة حقيقية، ويمكن استخدامها لمحاكاة صوت مسؤول أو تركيب وجه شخص على جسد آخر أو إنتاج مقطع يبدو فيه شخص عام وكأنه أدلى بتصريح لم يقله، لافتة إلى أن الضرر لا يتوقف عند تشويه السمعة بل قد يمتد إلى إرباك المؤسسات وإثارة البلبلة ودفع المواطنين إلى ردود فعل متسرعة.
كما شددت على أن الاعتماد على العين المجردة لم يعد كافيًا لاكتشاف الصور ومقاطع الفيديو المفبركة، لأن بعض المحتويات المصطنعة أصبحت شديدة الإقناع، لكنها أشارت إلى مؤشرات تستحق الانتباه مثل عدم التناسق بين حركة الشفاه والصوت واضطراب تعبيرات الوجه ووجود اختلافات غير طبيعية في الإضاءة والظلال أو تغييرات غير منطقية في نبرة الصوت.
وأشارت إلى أن تقنيات إثبات مصدر المحتوى، ومنها معايير بيانات اعتماد المحتوى C2PA، تساعد في معرفة كيفية إنشاء المحتوى أو تعديله عندما تكون بيانات المصدر متاحة وسليمة.
وفي ما يخص الشائعات، قالت الرحماوي إن الخوارزميات تحدد بدرجات متفاوتة ما يظهر للمستخدم وترتيب المحتوى المقترح له، وقد يحظى المحتوى المثير للخوف أو الغضب بفرص إضافية للانتشار عندما يدفع المستخدمين إلى التفاعل والمشاركة حسب تصميم المنصة وطبيعة المحتوى.
وأضافت أن المنصات يمكن أن تتحول إلى أدوات ضمن حملة منظمة عندما تتزامن رسائل حسابات متعددة ويُعاد تدوير المحتوى عبر منصات مختلفة أو تستخدم حسابات مزيفة وآلية لإعطاء انطباع بوجود إجماع شعبي أو موجة غضب واسعة، لكنها أكدت أن ارتفاع عدد المشاركات وحده لا يثبت وجود حملة منظمة، إذ يجب فحص أنماط النشر وتزامن الرسائل والروابط بين الحسابات.
واختتمت بأن الخطر الأكبر هو بناء بيئة معلوماتية متكاملة حول الشائعة بحيث تبدو وكأن مصادر متعددة تؤكدها بينما تعيد جميعها إنتاج الرواية نفسها.
بناء وعي مجتمعي
ودعت الرحماوي إلى البدء بالتعليم والتثقيف الرقمي عبر تدريب الطلاب والمواطنين على تقييم المصادر وفهم طريقة عمل الخوارزميات وإدراك أن كثرة المشاركات لا تعني صحة المعلومة وأن تكرار ظهور المحتوى لا يحوله إلى حقيقة.
كما شددت على مسؤولية الإعلام في تقديم المعلومات الموثقة بسرعة وشرح ما هو معلوم وما يزال قيد التحقق وتجنب إعادة نشر المحتوى المضلل على نطاق واسع لمجرد تفنيده، مؤكدة أن المؤسسات تحتاج أيضًا إلى بروتوكولات اتصال واضحة أثناء الأزمات لأن تأخر المعلومات الموثوقة يترك مساحة أكبر للشائعات.
