مرصد الذهب: تشغيل المعدن الأصفر لدى التجار صورة مستترة لتوظيف الأموال

نبذة عن المقال
حذر مرصد الذهب من تسليم المواطنين مدخراتهم ومصوغاتهم لتجار مقابل أرباح شهرية، معتبرًا ذلك توظيفًا للأموال خارج الأطر القانونية والرقابية

كشف «مرصد الذهب» عن ظاهرة تسليم مواطنين مدخراتهم ومصوغاتهم الذهبية إلى بعض التجار بغرض «تشغيلها» مقابل أرباح شهرية منتظمة، معتبرًا أن هذه الآلية تعد إحدى صور توظيف الأموال في ظل غياب جهة رقابية تنظم توظيف المدخرات لدى شركات أو تجار الذهب.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن توجه المواطنين لتوظيف أموالهم لدى تجار الذهب للحصول على عائد شهري متكرر يدخل في دورات النشاط التجاري للتجار لتوسيع عملياتهم التجارية والاستثمارية، ومن ثم فهو يمثل أداة لتمويل نشاط تجاري عبر علاقة مباشرة غير محددة الضوابط، تضع صاحب المال أمام مخاطر تتعلق باسترداد الذهب أو قيمته، خاصة إذا تعثر التاجر أو توقف عن السداد أو تعذر الوصول إليه.

وتجددت هذه المخاوف مع واقعة الزقازيق بمحافظة الشرقية، التي شهدت تحرير محضرين في 15 أكتوبر الجاري، اتهم فيهما مواطنان تاجر ذهب بالاستيلاء على مشغولات ومصوغات تزن نحو كيلو ونصف الكيلو، بعد تسليمها ضمن تعاملات شملت تشغيل الأموال والذهب مقابل أرباح شهرية، وفقًا لما نشرته تقارير صحفية عن البلاغات.

وأشارت التقارير إلى أن التعاملات استمرت لسنوات قبل تعثر صرف الأرباح ومغادرة التاجر البلاد إلى الأردن، بينما تظل الاتهامات الواردة في البلاغات خاضعة للفحص والتحقيق.

وأضاف فاروق أن الواقعة تعيد تسليط الضوء على نمط من التعاملات يتجاوز البيع والشراء المعتادين في محال الصاغة، عندما يتحول التاجر من بائع للمشغولات والسبائك إلى جهة تتلقى مدخرات المواطنين لاستخدامها في نشاطها، مقابل التزام برد الذهب أو قيمته وعائد دوري متفق عليه، وهو نمط تتقاطع عناصره مع ما يحظره القانون رقم 146 لسنة 1988 بشأن الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لاستثمارها.

ولا تقتصر الوقائع على الزقازيق، ففي نوفمبر 2023 حرر أربعة أشخاص بمدينة المنصورة محضرًا اتهموا فيه تاجر ذهب ونجله بالحصول منهم على نحو 3 كيلو جرامات من الذهب، إلى جانب مليون و250 ألف جنيه، مقابل تشغيلها والحصول على أرباح شهرية.

وبحسب البلاغ المنشور، تراوحت حصيلة المبلغين بين 93 جرامًا و1300 جرام من المشغولات لكل منهم، وذكروا أن التاجر ونجله تحصلا على الأموال والمشغولات قبل نحو ستة أشهر ولم يلتزما بدفع الأرباح أو إعادة الأصول، فيما أظهر الفحص مغادرتهما البلاد في 19 نوفمبر 2023 عبر مطار القاهرة إلى جدة، قبل أن ترتفع المحاضر المرتبطة بالواقعة إلى 14 محضرًا في ديسمبر من العام نفسه، وفق تقارير صحفية.

وفي دسوق بمحافظة كفر الشيخ، برزت قضية توظيف أموال مرتبطة بتجار ذهب بدأت بلاغاتها في 2023 عن تعاملات امتدت من 2021 إلى 2024؛ إذ نقلت تقارير في سبتمبر 2023 عن محامي عدد من المتضررين تحرير نحو 22 محضرًا آنذاك، مع تقدير الأموال المجموعة بنحو نصف مليار جنيه ووعود بعوائد شهرية تصل إلى 25%.

وأظهرت تغطيات الحكم الصادر في أغسطس 2025 حجمًا أكبر للقضية، إذ نُقل عن دفاع المتضررين أن المبالغ التي جُمعت تجاوزت مليار جنيه وشملت أموالًا نقدية وسبائك ذهبية، وأن العوائد الموعودة وصلت إلى 35%.

وفي 17 أغسطس 2025 قضت محكمة جنايات طنطا الاقتصادية بمعاقبة أربعة متهمين بالسجن عشر سنوات مع النفاذ، ورد الأموال المحددة وفق الكشف المرفق بأوراق القضية، وتغريم كل منهم 100 ألف جنيه، في قضية تعلقت بتلقي أموال من الجمهور لتوظيفها في تجارة الذهب دون اتخاذ النشاط الشكل القانوني المطلوب لجمع الأموال واستثمارها.

وفي فبراير 2024 كشفت وزارة الداخلية ملابسات بلاغات تقدم بها مواطنون ضد مالك محل ذهب في القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، اتهموه فيها بالحصول على نحو خمسة ملايين جنيه بغرض توظيفها في تجارة الذهب مقابل أرباح شهرية، قبل أن يتوقف عن السداد، فجرى ضبطه وقررت جهات التحقيق حبسه على ذمة التحقيقات، وفق ما نشرته تقارير صحفية في 7 فبراير 2024.

وفي نوفمبر 2025 شهدت مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا قضية مماثلة، إذ اتهم مواطنون في بلاغات تاجري مصوغات ذهبية بالحصول على ملايين الجنيهات لتشغيلها في تجارة الذهب مقابل نسبة من الأرباح، ثم الفرار بعد توقفهما عن الوفاء بالتزاماتهما.

وفي مايو 2026 قضت محكمة جنح المنتزه ثالث بالإسكندرية بحبس نجل صاحب محل ذهب شهير بمنطقة الفلكي ثلاث سنوات، بعد إدانته بالاستيلاء على أموال مواطنين بدعوى استثمارها في تجارة الذهب، في قضية بدأت ببلاغات من متضررين قبل ضبط المتهم وإحالتها إلى المحكمة، وصدر الحكم في 16 مايو 2026.

ولا تعد هذه القضايا وليدة السنوات الأخيرة؛ ففي مارس 2016 شهدت محافظة الدقهلية قضية اتُّهم فيها صاحب محل مصوغات بجمع نحو 140 مليون جنيه من أهالي قرية طناح والقرى المجاورة لتشغيلها مقابل عوائد، قبل أن يختفي دون ردها، وذكرت تقارير صحفية آنذاك أن المحاضر المحررة ضده بلغت 53 محضرًا.

وتكشف هذه الوقائع، حسب «مرصد الذهب»، أن ما يجري هو في جوهره توظيف أموال بصورة مستترة حتى لو لم يُسمَّ بذلك؛ فحين يتلقى تاجر الذهب من عدد من المواطنين ويستخدم ما تلقاه في تجارته مقابل التزام برد الذهب أو قيمته مع عائد دوري متفق عليه فإن العبرة بجوهر التعامل لا باسمه سواء سمي تشغيلًا أو شراكة أو أمانة.

وأوضح المرصد أن هذه الصورة يحظر القانون رقم 146 لسنة 1988 ممارستها على غير شركات المساهمة المقيدة في السجل المخصص لذلك، وتُعاقب عليها المادة 21 منه، بينما يظل المودع في هذه التعاملات بلا جهة رقابية تحميه وتقتصر حمايته على دعوى قضائية قد تطول.

ويختلف هذا النمط عن صناديق الاستثمار في الذهب التي تخضع لجهة رقابية مخصصة وتشريعات تنظم عملها وتحفظ حقوق المستثمرين، كما يختلف عن بعض التطبيقات والشركات التجارية التي تتيح للعميل الاحتفاظ بذهبه لديها واستلامه في أي وقت دون أي عائد.

وأكدت الهيئة العامة للرقابة المالية، في بيان صدر في 6 مايو 2025، أن دورها التنظيمي في هذا المجال يتعلق بوثائق صناديق الاستثمار في المعادن النفيسة وليس بترخيص عام لتعاملات تجار الذهب المباشرة مع المواطنين، موضحة أن الإطار المنظم لصناديق الاستثمار يتضمن ضوابط لمديري الاستثمار وشركات تجارة المعادن المؤهلة للتعامل مع الصناديق وجهات حفظ الذهب المقيدة لديها.

وشددت الهيئة على ضرورة حصول المستثمرين الذين يتعاملون في المعادن النفيسة خارج صناديق الاستثمار على المعدن ذاته لضمان حقوقهم.

وأردف مدير المرصد أن القضية التي يطرحها «مرصد الذهب» تتمثل في الحاجة إلى معالجة تنظيمية أكثر تحديدًا للتعاملات التي يسلم فيها المواطنون الذهب إلى التجار خارج صناديق الاستثمار، خصوصًا عندما يسمح الاتفاق باستخدام الذهب في النشاط التجاري.

وقال فاروق إن تكرار هذه الوقائع يوضح مخاطر الاعتماد على السمعة التجارية والعلاقات الشخصية باعتبارهما ضمانًا كافيًا لحماية المدخرات، مشيرًا إلى أن انتظام دفع العائد لفترة طويلة لا يعني بالضرورة أن النشاط قادر على الاستمرار أو أن أصل الأموال والذهب محمي من مخاطر التعثر.

واختتم الدكتور وليد فاروق بأن الذهب يمثل لدى قطاع واسع من المصريين مخزنًا للقيمة ووسيلة لحماية المدخرات، ولذلك فإن أي تعامل يحوله من أصل يحتفظ به المواطن إلى أصل ينتفع به طرف آخر يجب أن يكون واضحًا ومحددًا من حيث الحقوق والالتزامات والمخاطر.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#الهيئة العامة للرقابة المالية#تجارة الذهب#توظيف الأموال#مرصد الذهب#وليد فاروق