لا تنتهي عجائب القرية المصرية، تبقى على الدوام أرضاً خصبة للحكايات والصراعات، وهو ما يغري الكتاب بشد الرحال إليها رغم التحولات التى عصفت بها وعندما يعودون منها ومشاعر وأفكار عدة تتنازعهم يدركون أن في نفوسهم شيئا منها.
يعود الكاتب رضا محروس فى روايته «بيت عند منحنى النهر» والصادرة حديثاً عن دار بى بوك للنشر والتوزيع للإبحار جنوباً عبر النهر الخالد ليرصد الثنائية العجيبة التى تجمع بين النيل وواحدة من قرى الصعيد حيث يمتد اللون الأخضر بموازاة النهر وفى الغرب تفرض الصحراء سطوتها تتخلها شوارع الفلاحين الضيقة.
يجعل رضا محروس من توازن القوى الصامت بين النهر والجبل الذى يقسم القرية إلى كبار القوم الذين يحوزون الحدائق والبساتين ويسكنون منازل فارهة تجاور النيل، وفلاحين معدمين يكسبون قوتهم بالكاد ويسكنون فى منازل بسيطة، مدخلاً لرسم سردية مختلفة ينحاز فيها إلى الإنسان الذى يتألم فى ضعفه وقوته.
يجعل «محروس» من المكان أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ إذ يتحول البيت والنهر والقرية إلى ذاكرة حية تختزن تاريخ الشخصيات وتحولاتها وصراعاتها، الثلاثة يخلقون على الدوام صراعاً داخلياً لا تستطيع أى شخصية من شخصيات الرواية أن تتخلص منه وكأن الجميع يتم إخضاعهم على الدوام وفق معادلات وقوانين مرسومة سلفاً من قبل البيت والنهر والقرية.
ومن خلال بناء روائى واسع وشخصيات متعددة، يفتح الكاتب نوافذ متباينة على عالم اجتماعى تتداخل فيه العلاقات العائلية مع السلطة والنفوذ والغيرة والحب والخوف، لتتشكل أمام القارئ صورة إنسانية واجتماعية شديدة الثراء.
وتقوم الرواية على عالم شخصيات متنوع، فى مقدمتها عبدالقادر زهيرى وفتح الله زهيرى، إلى جانب شخصيات تنتمى إلى أجيال وطبقات ومواقع اجتماعية مختلفة. هذا التنوع لا يأتى لمجرد تكثير الشخصيات، وإنما يسهم فى بناء شبكة العلاقات التى يتمدد عبرها السرد، ويمنح الأحداث اتساعاً يسمح للكاتب بأن يقترب أكثر من عوالم خاصة جداً ربما لم يسمع الكثيرون عنها شيئاً. العائلة هنا ليست مجرد إطار للأحداث، وإنما فضاء للصراع النفسى والاجتماعى، وميدان تتكشف فيه الرغبات والمصالح والأسرار.
ما يلفت النظر فى الرواية هو قدرة رضا محروس على التقاط التفاصيل اليومية الصغيرة، وتحويلها إلى عناصر فاعلة فى تشكيل العالم الروائى. فهو لا يتعامل مع التفاصيل بوصفها أموراً معلومة من الواقع بالضرورة، بل يجعلها وسيلة للكشف عن الشخصيات وطبائعها ومخاوفها، ولذلك تبدو البيئة السردية نابضة بالحياة، حتى حين تتجاوز الأحداث حدود الواقع المباشر إلى أبعاد أكثر رمزية وتأملاً.
ويحتل النهر مكانة خاصة فى الرواية؛ فهو ليس مجرد عنصر جغرافى، بل يحمل دلالات متعددة تتصل بالحياة والموت والعبور والقدوم والرحيل والذاكرة، النهر بقوته وتدفقه يتحول إلى كاتم أسرار ونهر للحكايات وتلتقى على ضفتيه الكثير من الخيوط المتشابكة، حتى الفرقاء يتفقون على شىء واحد هو الخضوع غير المعلن له وعدم الاصطدام به.
البيت يتحول بدوره فى رواية رضا محروس إلى كائن سردى له حضوره وتأثيره، يحتفظ بأصداء الذين مروا به، ويبدو شاهداً على ما مرت به الأسرة من تحولات. ومن هنا يأتى عنوان الرواية، لأنه يختصر علاقة الإنسان بالمكان، وعلاقة الذاكرة بالماضى، وعلاقة الحاضر بما لم ينتهِ أثره بعد.
ويعتمد الكاتب فى الرواية كذلك على الحوار بوصفه أداة لكشف ما تخفيه الشخصيات أكثر مما تقوله. فالحوار لا يقتصر على دفع الأحداث إلى الأمام، وإنما يكشف موازين القوى والتوترات النفسية، ويضع القارئ أمام شخصيات تتحدث من داخل تجاربها الخاصة.كما أن تعدد الأصوات والمنطلقات يمنح السرد مرونة واضحة، ويتيح الانتقال بين مستويات مختلفة من الحكاية دون أن يفقد العمل وحدته العامة.
وفى الجانب الاجتماعى، تطرح الرواية أسئلة صعبة تتعلق بالعائلة والسلطة والنفوذ وموقع المرأة والعلاقات الإنسانية تحت ضغط الظروف. ولا يقدم الكاتب شخصياته فى صورة الأبيض والأسود، بل يترك مساحة واسعة للتعقيد الإنسانى، بحيث يمكن للشخصية الواحدة أن تحمل جوانب متناقضة من الضعف والقوة، والخطأ والصواب، والرغبة فى النجاة والرغبة فى السيطرة.
«بيت عند منحنى النهر» سردية بديعة تؤكد انشغال الكاتب بالإنسان، وحرصه على التفاصيل، وقدرته على بناء عالم روائى متعدد الشخصيات والأصوات، مع الاستفادة من المكان بوصفه عنصراً دلالياً لا يقل أهمية عن الشخصيات والأحداث. وهى، قبل ذلك كله، رواية تضع الذاكرة فى مواجهة الزمن، وتترك للقارئ مهمة اكتشاف ما يبقى من الإنسان بعد أن تتغير الوجوه، وتتبدل الأمكنة، ويمضى النهر فى طريقه.
رضا محروس صدرت له عدة أعمال من بينها «البنت ذات الضفائر»، و«أمنية للشمس»، و«أسباب موت شكسبير»، و«قمر على شباك ضحى»، و«كلاب الليل»، إلى جانب روايتى «مقامات العشق والانكسار» و«قيامة البنفسج». وتأتى رواية «بيت عند منحنى النهر» لتؤكد أنه كاتب لا يحصر تجربته فى قالب واحد، وإنما يختبر إمكانات السرد فى أكثر من مساحة. وفى أعماله يظل الإنسان محوراً أساسياً، سواء كان طفلاً يبحث عن حلم، أو شخصية محاصرة بضغوط الحياة، أو إنساناً يقف أمام أسئلة الحب والموت والذاكرة والمصير.

الإنسان.
الحب.
الموت.
الفراق.
