الدولار-ليس-نهاية-العالم-MgHk.jpg" data-src="https://gazfina.com/proxy.php?url=https%3A%2F%2Fcdn.cairo24.com%2FUploadCache%2Ffiles%2F0%2F4%2F70x80o%2F26.jpg" alt="بقلم تامر عبد المنعم">
بقلم تامر عبد المنعم.
روسيا ومصر.. الدولار ليس نهاية العالم.
بمناسبة وجودي في موسكو وكستروما رئيسًا لوفد من وزارة الثقافة مشارك في الاحتفال بمرور 35 عامًا على تأسيس باليه كستروما أتيحت لي فرصة الاقتراب من الواقع الروسي بعيدًا عن الصور التقليدية التي نعرفها عن عظمة روسيا وقوتها ومكانتها الدولية.
لكنني اكتشفت أن وراء هذه العظمة تحديات اقتصادية وحياتية لا يمكن تجاهلها فقد فوجئت بأن بطاقات الفيزا المصرية لا تعمل في معاملاتي هناك، في ظل القيود المفروضة على روسيا؛ وأن تحويل الدولار إلى الروبل يحتاج إلى التعامل مع البنوك؛ كما لاحظت ضعف الإنترنت بصورة لافتة؛ إلى جانب الاستنفار الأمني وإجراءات التفتيش التي تعكس واقعًا فرضته ظروف الحرب.
كانت هذه التفاصيل كافية لتذكيري بحقيقة مهمة: قوة الدول لا تعني أنها بمنأى عن الأزمات وعظمة الأوطان لا تعني أن الحياة فيها تسير دائمًا كما نتخيلها من بعيد.
لفت انتباهي أيضًا الفارق بين قيمة الروبل والجنيه المصري. فالجنيه أقوى من الروبل من حيث القيمة الاسمية لكن هذه الحقيقة على أهميتها لا تكفي وحدها للحكم على قوة الاقتصادين أو مستوى معيشة المواطنين فسعر العملة ليس مرآة كاملة للاقتصاد بل أحد المؤشرات التي تتأثر بعوامل عديدة منها التضخم والتجارة الخارجية وتدفقات الاستثمار والسياسات النقدية والظروف السياسية والجيوسياسية.
وإذا كانت روسيا تمتلك موارد طبيعية هائلة وقوة اقتصادية مؤثرة في قطاعات عديدة فإنها تواجه بدورها تحديات فرضتها الحرب والعقوبات والقيود المالية الدولية وقد انعكست بعض هذه الظروف على المعاملات المصرفية والاتصالات وتفاصيل الحياة اليومية.
أما مصر فتواجه تحدياتها الخاصة وفي مقدمتها توفير العملة الأجنبية واحتواء التضخم، وزيادة الإنتاج والصادرات وتحسين القوة الشرائية للمواطنين؛ ومن هنا، فإن المقارنة العادلة لا تتوقف عند سؤال: كم يساوي الدولار بالجنيه، وكم يساوي بالروبل؟ بل تمتد إلى قدرة كل اقتصاد على توفير احتياجاته وتحقيق النمو وحماية المواطنين من آثار الأزمات.
في تقديري فإن الانشغال بسعر الدولار وحده قد يصرف الأنظار عن القضية الأكثر تأثيرًا في حياة الناس وهي التضخم فالمواطن لا يذهب إلى السوق لشراء الدولار وإنما لشراء الغذاء والدواء والملابس وسائر احتياجاته وما يعنيه في النهاية هو مقدار ما يستطيع دخله شراءه ومدى قدرته على تلبية متطلبات أسرته.
قد يرتفع الدولار فتزداد تكلفة الواردات وتتعرض الأسعار للضغوط، لكن ارتفاعه لا يعني بالضرورة انهيار الاقتصاد أو نهاية العالم وبالمثل فإن انخفاضه لا يعني تلقائيًا انتهاء المشكلات بينما المعيار الحقيقي هو قدرة الدولة على احتواء التضخم، وزيادة الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار وتوسيع الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما أمكن مع حماية الفئات الأكثر تأثرًا بأعباء الإصلاح.
فاستقرار سعر الصرف مهم، لكنه ليس هدفًا منفصلًا عن بقية أهداف الاقتصاد كما أن معالجة التضخم تحتاج إلى سياسات نقدية ومالية منضبطة وأسواق أكثر كفاءة وإنتاج قادر على تلبية الطلب.
المشكلة ليست في الرقم الذي نراه على شاشة الصرافة وحده، بل في أثر هذا الرقم على حياة الناس، وفي قدرتنا على معالجة الأسباب التي تقف وراءه..
وأنا أتابع تفاصيل الحياة في روسيا شعرت بأن واقعنا في مصر ليس بالسوء الذي قد تصوره لنا أحيانًا المقارنات السريعة أو المبالغة في التركيز على سعر الدولار او اشاعات خفافيش الظلام والكارهين..
لا يعني ذلك أن مصر بلا مشكلات أو أن المواطن لا يعاني من أعباء معيشية حقيقية وإنما يعني أن النظر إلى تجارب الآخرين يمنحنا صورة أكثر تفاؤلًا وتوازنًا.
فروسيا على الرغم من مساحتها الهائلة ومواردها الضخمة وقوتها العسكرية والسياسية تواجه بدورها تكاليف اقتصادية وحياتية فرضتها ظروف استثنائية وهذا يثبت أن امتلاك الموارد لا يمنع الأزمات وأن قوة الدولة لا تعني غياب الضغوط عن مواطنيها.
المقارنة الصحيحة ليست وسيلة لجلد الذات ولا مبررًا للاطمئنان الزائد بل فرصة لفهم الواقع بصورة أعمق.
لقد توصلت من موسكو وكستروما لفكرة أراها جديرة بالتأمل تكمُن في انه لا ينبغي أن يتحول ارتفاع الدولار إلى مصدر دائم للهلع ولا أن نتعامل معه باعتباره حكمًا نهائيًا على مستقبل الاقتصاد.
لقد ذهبت إلى روسيا للمشاركة في احتفال فني وثقافي عريق وعدت منها بتأمل اقتصادي وإنساني حيث أدركت أن عظمة الأوطان لا تقاس بحجمها ومواردها وحدهما وإنما بقدرتها على إدارة أزماتها وحماية حياة مواطنيها.
فالدول قد تمر بأزمات نقدية وقد تتعرض عملاتها للضغوط لكنها تستطيع تجاوز هذه المراحل عندما تمتلك سياسات واقعية وإدارة رشيدة للموارد وقدرة على معالجة الاختلالات الاقتصادية.
إن المعركة الحقيقية ليست مع الدولار في حد ذاته بل مع الأسباب التي تجعل ارتفاعه عبئًا على الاقتصاد والمجتمع؛ فالأزمات ليست بالضرورة نهاية الطريق بل قد تكون بداية لمرحلة أفضل إذا أحسنا قراءة الواقع وواجهنا مشكلاتنا بشجاعة وامتلكنا الإرادة لإيجاد الحلول وهو ما تعمل عليه القيادة السياسية والحكومة ومن خلفهما شعب وفي واعي يعشق تراب الوطن..
