مرونة سعر الصرف وحدها لا تكفي لمعالجة ضغوط الدولار في مصر

نبذة عن المقال
تحليل اقتصادي يربط ضغوط الجنيه المصري بعجز الحساب الجاري وضعف توليد الدولار، ويؤكد أن مرونة الصرف وحدها لا تكفي دون سياسة نقدية ومالية أكثر فاعلية

د. محمد فؤاد

د. محمد فؤاد.

مرونة سعر الصرف لا تكفي.. لماذا تحتاج مصر إلى سياسة اقتصادية أكثر فاعلية؟

في ورقة نُشرت عام 2013، حذر الاقتصاديان كريستينا رومر وديفيد رومر، من التقليل من قدرة السياسة النقدية على مواجهة الأزمات الاقتصادية، واعتبرا أن المبالغة في التشكيك بفاعليتها أفضت إلى أخطاء جسيمة، والدرس واضح: إدراك حدود دور البنك المركزي لا يجوز أن يتحول إلى مبرر للتخلي عنه.

هذا النقاش مهم مع الضغوط على الجنيه المصري وخروج جزء من استثمارات المحافظ المالية. فمن السهل تفسير ارتفاع الدولار بخروج الأموال، لكن الأصعب تفسير تعرض الاقتصاد لهذه الضغوط كلما تغيرت الظروف العالمية.

فجوة الدولار.. المشكلة أعمق من سعر الصرف

تتداخل ثلاثة عوامل: تشدد التمويل العالمي، وتقلب استثمارات الأسواق الناشئة، واختلالات موارد مصر الدولارية. وخلال السنة المالية 2025/ 2026، بلغ عجز الحساب الجاري 22.5 مليار دولار، والعجز التجاري السلعي 64.8 مليارًا، وهذه فجوة لا يمكن تمويلها بأمان بالاعتماد المستمر على الأموال سريعة الحركة. ويجعل التمويل قصير الأجل الجنيه رهينة للفائدة العالمية ومزاج المستثمرين.

فالدولار الناتج عن تصدير سلعة أو خدمة يختلف عن دولار يدخل كقرض أو استثمار قصير الأجل. فالاستثمار المباشر المنتج قد يزيد الصادرات، أما الاقتراض والمحافظ فيوفران تمويلًا عاجلًا دون علاج المشكلة. وقد يحقق ميزان المدفوعات فائضًا رغم هشاشة تمويله.

لا يمكن معالجة فجوة دولارية هيكلية بمجرد تخفيض قيمة العملة. فانخفاض الجنيه لا ينشئ مصانع أو يزيد إنتاج الغاز أو يفتح أسواقًا للصادرات. وقد يحسن التنافسية، لكنه يرفع أيضًا تكلفة الواردات والإنتاج، فتسبق زيادة الأسعار أي مكاسب تصديرية محتملة.

ومرونة الصرف ضرورية لتعكس العرض والطلب بدل تراكم الاختلالات. لكنها ليست علاجًا مستقلًا لنقص الدولار. فضعف توليد الدولار يزيد حساسية الجنيه لتدفقات الأموال، وضعف الثقة يضاعف أثره التضخمي.

من ارتفاع الدولار إلى التضخم.. دور المصداقية النقدية

ارتفاع الدولار يصل إلى السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل، ووفق تقرير البنك المركزي للربع الثاني من 2026، فإن انخفاض الجنيه بنسبة 1% يرفع معدل التضخم السنوي بنحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط خلال السنة الأولى، وتبلغ ذروة الأثر بعد نحو 9 أشهر، وبهذا التقدير، قد يضيف انخفاض الجنيه 5% نحو 0.9 نقطة للتضخم، وانخفاضه 10% نحو 1.8 نقطة، لكنها تقديرات وليست نتائج حتمية.

وتكشف دراسة نُشرت عام 2021 في المجلة الدولية للبنوك المركزية، وشملت 62 اقتصادًا، أن انتقال انخفاض العملة إلى الأسعار يكون أقل حيث تكون توقعات التضخم أكثر استقرارًا وأقل تشتتًا.

والدراسة لا تشمل مصر ولا تثبت علاقة سببية قاطعة، لكنها تشير إلى أن معامل الانتقال المصري ليس ثابتًا بالضرورة، وقد يرتفع إذا ضعفت الثقة في البنك المركزي. والمصداقية ليست بيانات مطمئنة، بل ثقة بأن البنك المركزي سيعيد التضخم لهدفه رغم صعوبة القرارات.

فعندما تتوقع الشركات استمرار انخفاض الجنيه، قد ترفع أسعارها قبل ارتفاع تكلفتها الفعلية، وعندما تتوقع الأسر استمرار الغلاء تتغير قرارات الإنفاق والادخار. وهكذا قد تتحول صدمة مؤقتة إلى تضخم ممتد.

ويعيدنا ذلك إلى رومر ورومر: فقد رأى رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق آرثر بيرنز التضخم مشكلة هيكلية، ودعا إلى ضبط الأجور والأسعار بدل التشديد النقدي. والخطأ ليس الاعتراف بالأسباب الهيكلية، بل استخدامها لتأخير الاستجابة النقدية.

مستهدف التضخم.. اختبار المصداقية.

يستهدف البنك المركزي تضخمًا عند 7% بهامش نقطتين مئويتين في الربع الرابع من 2026، لكن بيان 24 سبتمبر توقع الوصول إلى هذا المستوى خلال النصف الثاني من 2027، وهكذا تأجل موعد تحقيق المستهدف فعليًا، وهو اختبار للمصداقية: هل يصبح تأجيل الهدف استثناءً أم عادة؟ والمطلوب تفسير أسباب الانحراف، وتوضيح طريق العودة إلى الهدف.

تراجع التضخم السنوي للحضر إلى 13.9% في سبتمبر، مع ثبات الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، وظاهريًا، تبدو الفائدة الحقيقية موجبة بنحو 5 نقاط، وهو ما يدعم وصف البنك المركزي سياسته بأنها مقيدة بالقدر الكافي.

لكن التضخم الشهري تسارع إلى 1.3% في سبتمبر من 0.1% في أغسطس، والتضخم الأساسي الشهري إلى 0.8% من 0.3%؛ ما يشير إلى أن الضغوط لم تقتصر على الغذاء وحده. فتراجع المعدل السنوي يتأثر بسنة الأساس ولا يعني اختفاء الضغوط الجديدة، والبنك يرى المخاطر صعودية، والسياسة النقدية ينبغي أن تنظر إلى التضخم المقبل، لا الماضي وحده.

ورفع صندوق النقد الدولي في أكتوبر توقع متوسط التضخم للسنة المالية 2026/ 2027 إلى 14.8%، مقابل 11.1% في أبريل، ولا يكفي متوسط توقعات التضخم في استطلاعات البنك المركزي، بل يجب نشر مدى تشتتها؛ فقد يتفق الجميع على تضخم مرتفع دون اقتناع بتحقيق المستهدف.

سياسة نقدية فاعلة تحتاج إلى مالية منضبطة

يستطيع البنك المركزي إدارة السيولة بالجنيه والتأثير في الاقتراض والطلب والتوقعات، لكنه لا يستطيع بقرار نقدي زيادة الصادرات أو إنتاج الغاز. إدارة السيولة المحلية مسألة، وتوليد الدولار مسألة أخرى. ونقص الدولار ليس عذرًا للتساهل مع التضخم.

رفع الفائدة مكلف للشركات والموازنة والاستثمار، وتزداد التكلفة مع ارتفاع الدين العام. لكن عدم التحرك قد يكون أعلى تكلفة إذا انفلتت توقعات التضخم، لذا أوصت مذكرة مركز العدل لدراسات السياسات العامة، الذي أشارك في أعماله، في 26 أكتوبر 2026 برفع وقائي قدره 100 نقطة أساس، رغم توقعها التثبيت. ولم يكن الهدف وقف التخارجات أو توفير الدولار، بل حماية توقعات الأسعار من الصدمات الجديدة.

غير أن فاعلية السياسة النقدية تتوقف أيضًا على المالية العامة. فلا يكفي مطالبة البنك المركزي بضبط التضخم بينما تستمر احتياجات الحكومة التمويلية في الضغط على الفائدة والائتمان. فجانب كبير من الأموال سريعة الحركة يدخل أصلًا لتمويل عجز الموازنة عبر أدوات الدين الحكومي.

والمطلوب مسار واضح لخفض العجز والاقتراض، وترشيد الإنفاق، وإعادة ترتيب أولوياته لصالح الاستثمار المنتج، وضبط الضمانات والالتزامات التي قد تتحول إلى أعباء مستقبلية على الموازنة، وبالتوازي، يجب زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار المباشر ومعالجة اختلال ميزان الطاقة، لتقليل الاعتماد على الاقتراض وتدفقات المحافظ.

مرونة سعر الصرف ضرورة، ومصداقية السياسة النقدية ضرورة أخرى، لكن الاستقرار المستدام يحتاج انضباطًا ماليًا وقدرة إنتاجية أكبر. فالنجاح ليس في تفسير ارتفاع الدولار، بل في تقليل أسبابه وحماية المواطنين من تحول كل صدمة إلى موجة غلاء جديدة.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#البنك المركزي المصري#التضخم#الجنيه المصري#سعر الصرف#صندوق النقد الدولي