
محمد زاهر.
من تخفيف الأحمال إلى تخفيف العقول.. نفس الفشل الإداري بثوب تربوي.
لم تكن أزمة انقطاع الكهرباء مجرد ساعتين من الظلام يقضيهما المواطن على ضوء الشموع، بل كانت، بكل المقاييس، تجربة اقتصادية فاشلة بامتياز، أدركت الدولة فشلها فأوقفتها، حتى خرج المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء قبل أيام قليلة لينفي وجود أي توجه حالي للعودة إليها.
بدت فكرة تخفيف الأحمال براقة على الورق؛ حيث نوفر الغاز، فنوفر الدولار، لكن ما حدث على أرض الواقع كان عكس كل الحسابات الحكومية. فتكرار انقطاع التيار وعودته المفاجئة يؤدي إلى تلف الأجهزة الكهربائية، كما وثقت تحقيقات صحفية عديدة في حينها؛ فثلاجة تحترق، وبوردة غسالة تتلف، وطلمبة مياه تتوقف. وكل هذه المكونات، للأسف، مستوردة بالدولار.
ما وفرته الدولة من حرق الغاز، خسره المواطن أضعافًا مضاعفة في سوق الصيانة، وخسرته الخزانة العامة أضعافًا في فاتورة استيراد قطع الغيار. أي إن حسابات الورق ربحت مليونًا، وحسابات السوق خسرت عشرة.
والأخطر أن الفاتورة لم تكن مادية فقط، فقد تحول ركوب الأسانسير إلى حالة من الرعب الجماعي للمصريين بسبب خطة تخفيف الأحمال، وتسبب انقطاع التيار في وقوع حوادث مميتة داخل المصاعد، وهو ما وثقته تقارير الحماية المدنية والنيابة العامة.
وكانت المحصلة واضحة: وفرنا بعض الغاز، وخسرنا الأجهزة، وعرّضنا الأرواح للخطر. لذلك كان تدخل القيادة السياسية حاسمًا لإيقاف العمل بهذه الفكرة، بعد اتضاح عدم جدواها الاقتصادية والإنسانية.
اليوم.. من فيشة الكهرباء إلى فيشة التعليم
اليوم، وبالمنطق الإداري قصير النظر نفسه، تنتقل الحكومة من فيشة الكهرباء إلى فيشة التعليم.
فجأة، ودون إجراء دراسة حقيقية للأثر التشريعي أو التربوي، تقرر وزارة التربية والتعليم إدخال درجات مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية بشقيها، التاريخ والجغرافيا، ضمن مجموع الشهادات الدولية المؤهلة للالتحاق بالجامعات، بنسبة 20%، بدءًا من العام الدراسي المقبل 2027-2028.
ورغم نفي الوزارة المتكرر لشائعة فرض رسوم بقيمة 25 ألف جنيه عن كل مادة من مواد الهوية القومية بالمدارس الدولية، فإنها لم توضح حتى اللحظة قيمة الرسوم في حالة الرسوب وإعادة الاختبار في الدور الثاني، وهو ما يترك أولياء الأمور في حالة قلق مالي دائم. لكن القرار الأخطر لم يكن الرسوم، بل التوقيت.
فالوزارة قررت فرض مواد الهوية القومية على سنتي التخصص الحاسمتين، الصفين الحادي عشر والثاني عشر، وهما السنتان اللتان يبني عليهما طالب الـIG والـAmerican Diploma والبكالوريا الدولية مستقبله الجامعي بالكامل، وتُحسب فيهما كل درجة في القبول والمنح.
وهذا القرار عبث تربوي بكل المقاييس؛ فطالب الشهادات الدولية لا يملك رفاهية تشتيت مجهوده الذهني والنفسي في مواد إضافية خلال سنة التخصص، إذ يشبه ذلك أن تطلب من جراح داخل غرفة العمليات أن يتوقف ليحل واجبًا مدرسيًا.
والنتيجة المتوقعة ليست تعزيز الهوية، بل طردها.
فاليوم، يفكر ما لا يقل عن 10% من طلاب المدارس الدولية بجدية في الهجرة التعليمية المبكرة، هروبًا من هذا الارتباك. والأرقام الرسمية مرعبة، وتفسر لماذا قد تكون لهذا القرار تداعيات كارثية على الاقتصاد، وليس مجرد آثار تربوية.
ففي العقد الماضي، تضاعف عدد الطلاب المصريين في الخارج أكثر من ثلاث مرات، من 12،300 طالب عام 2008 إلى أكثر من 43،700 طالب بحلول عام 2022، وتشير تقديرات حديثة وموثقة إلى أن نحو 50 ألف طالب مصري يدرسون بالخارج، بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار سنويًا.
وتخيل الرقم: مليار ومئتا مليون دولار تخرج من مصر كل عام ليدرس أبناؤنا في الخارج.
وحين تدفع 10% إضافية من طلاب المدارس الدولية إلى السفر بسبب قرار غير مدروس، فأنت لا توفر رسومًا تفرضها بحجة تدريس مواد الهوية، بل تصنع نزيفًا جديدًا ومباشرًا للعملة الصعبة؛ فكل طالب يسافر يعني إنفاق ما بين 20 و40 ألف دولار سنويًا على الجامعة والسكن والمعيشة. أي إن ألف طالب، مثلًا، يعني إنفاق 30 مليون دولار، وعشرة آلاف طالب يعني ثلث مليار دولار، أي أكثر من كل ما يمكن أن تحصّله وزارة التعليم من رسوم مواد الهوية لو استمرت مئة عام.
وبذلك، يصبح قرار فرض مواد الهوية بهذه الطريقة خطرًا حقيقيًا على الاحتياطي النقدي للدولة من العملة الصعبة، أي إنه، باختصار، قرار يمس الأمن القومي الاقتصادي.
مرة أخرى: الهوية لا تُفرض بفاتورة، ولا تُزرع في اللحظة الأخيرة. فمن أراد هوية حقيقية، فليزرعها في رياض الأطفال والصفوف الأولى، من خلال المنهج الجذاب، والمعلم القدوة، والقصة التي يحبها الطفل، لا بقرار جباية يأتي في سنة التخصص، فيدفع الطالب إلى البحث عن جامعة في تركيا أو ألمانيا أو أي دولة أوروبية.
في الكهرباء، كنا نظن أننا نوفر الدولار، فاكتشفنا أننا نستورد الأجهزة بالدولار ونضر بالسياحة.
وفي التعليم، نظن أننا نفرض الهوية ونحصل الرسوم لدعم موارد إصلاح التعليم، بينما نحن في الحقيقة نمول جامعات الخارج بالدولار، ونخسر عقول الداخل، ونضيف عبئًا نفسيًا مدمرًا على الطلاب وأسرهم.
إنه الفشل الإداري نفسه داخل الوزارات، يُعاد تدويره بغلاف جديد.
