تدخل كرة القدم البرتغالية مرحلة جديدة بعد إسدال كريستيانو رونالدو الستار على مسيرته الدولية، لتنتهي حقبة امتدت لأكثر من عقدين ارتبط خلالها اسمه بأبرز إنجازات المنتخب الوطني.
ومنذ ظهوره الدولي الأول عام 2003، لم يكن رونالدو مجرد مهاجم في التشكيل الأساسي، بل كان عنصرًا محوريًا في هوية المنتخب وطموحاته، وقاده إلى التتويج ببطولة أمم أوروبا 2016 ودوري الأمم الأوروبية، قبل أن يواصل حضوره في البطولات الكبرى.
ومع غياب الهداف التاريخي للمنتخبات الوطنية للرجال وصاحب الرقم القياسي في عدد المشاركات الدولية، يصبح المنتخب البرتغالي مطالبًا بإعادة توزيع الأدوار الهجومية والقيادية على جيل جديد يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه لم يخض بعد اختبار الاستمرار دون أسطورته التاريخية.
من يحمل المسؤولية الهجومية بعد رونالدو؟
يمتلك المنتخب البرتغالي عدة خيارات هجومية تمنحه فرصة لتغيير طريقة اللعب بدلًا من البحث عن نسخة جديدة من كريستيانو رونالدو، إذ تختلف الأسماء الحالية في خصائصها وأدوارها داخل الملعب.
جونزالو راموس يبرز بوصفه أحد أبرز المرشحين لقيادة الهجوم، بفضل تحركاته داخل منطقة الجزاء وقدرته على استغلال الفرص، لكنه يحتاج إلى إثبات قدرته على تحمل المسؤولية التهديفية في المباريات الكبرى.
أما رافائيل لياو فيملك قدرات فردية وسرعة ومهارة في المراوغة والاختراق، ما يجعله مصدر خطورة مهمًا من الأطراف، فيما يمنح جواو فيليكس الجهاز الفني مرونة تكتيكية كبيرة بقدرته على اللعب خلف المهاجم أو كمهاجم ثانٍ أو على الأطراف.
ويأتي فرانسيسكو كونسيساو ضمن الخيارات الواعدة أيضًا، بفضل سرعته وقدرته على المراوغة واللعب في المساحات الضيقة، ما قد يمنح البرتغال حلولًا هجومية مختلفة في المواجهات الصعبة.
برونو فرنانديز ووسط الملعب.. السلاح الأبرز
مع غياب رونالدو، تتجه الأنظار إلى برونو فرنانديز باعتباره أحد أبرز المرشحين لتحمل المسؤولية القيادية داخل المنتخب، إلى جانب دوره في صناعة اللعب وتسجيل الأهداف والربط بين الخطوط.
وفي وسط الملعب، تبدو البرتغال قادرة على الاعتماد على مجموعة تمنحها توازنًا كبيرًا، يتقدمها فيتينيا بقدرته على الاحتفاظ بالكرة والخروج بها تحت الضغط والتحكم في نسق اللعب، وجواو نيفيز بما يملكه من إمكانات فنية وبدنية، وبرناردو سيلفا بخبرته ومرونته بين الخطوط.
كما يضيف روبن نيفيز حلولًا في بناء اللعب والتمريرات الطويلة والتسديد من خارج منطقة الجزاء، وهو ما قد يساعد المنتخب على تنويع مصادر الخطورة بدلًا من الاعتماد على محطة هجومية واحدة.
الدفاع وحراسة المرمى
لا تقتصر قوة المنتخب البرتغالي على الوسط والهجوم، إذ يمتلك أيضًا عناصر مميزة في الخط الخلفي تمنحه قاعدة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
في حراسة المرمى يبرز ديوجو كوستا بوصفه الخيار الأساسي، لما يمتلكه من خبرات وقدرة على التعامل مع الضغوط وإجادة اللعب بالقدم والمساهمة في بناء الهجمات من الخلف.
وفي الدفاع، يمثل روبن دياز أحد أهم عناصر الخبرة والقيادة، إلى جانب نونو مينديز وجواو كانسيلو، مع وجود خيارات أخرى مثل جونزالو إيناسيو وتوماس أراوخو ودييجو دالوت.
خورخي جيسوس ومرحلة إعادة البناء
يتولى خورخي جيسوس مهمة قيادة المنتخب البرتغالي خلفًا لروبرتو مارتينيز بعد كأس العالم 2026، في واحدة من أصعب المهام التدريبية المرتبطة بإعادة بناء الفريق دون اللاعب الذي ارتبط اسمه بأبرز إنجازاته الحديثة.
ويملك جيسوس خبرة كبيرة في التعامل مع النجوم، كما سبق له العمل مع رونالدو نفسه في النصر السعودي، لكنه يواجه الآن تحديًا مختلفًا يتمثل في إعادة تشكيل المنظومة الهجومية وتوزيع المسؤوليات بين برونو فرنانديز وبقية العناصر.
كما سيكون عليه التعامل مع المرحلة الانتقالية نفسيًا، بعدما ظل رونالدو لسنوات طويلة القائد الذي اعتاد اللاعبون والجماهير الالتفاف حوله.
كيف ستتغير طريقة لعب البرتغال؟
كان وجود رونالدو يمنح البرتغال خيارًا واضحًا داخل منطقة الجزاء عبر الكرات العرضية والتمريرات البينية والهجمات المرتدة، إلى جانب قدرته على التسجيل من أنصاف الفرص.
لكن بعد رحيله قد يصبح المنتخب أكثر اعتمادًا على اللعب الجماعي وتبادل المراكز، مع منح لاعبي الوسط أدوارًا هجومية أكبر والاستفادة من سرعة لياو وكونسيساو وبيدرو نيتو على الأطراف.
كما يمكن لجيسوس الاعتماد على مهاجم صريح مثل جونزالو راموس مع وجود برونو فرنانديز خلفه، أو تجربة حلول هجومية تقوم على التحرك المستمر وتبادل الأدوار بين أكثر من لاعب.
الاستحقاقات المقبلة
لن تحصل البرتغال على فترة طويلة للتعامل مع غياب قائدها التاريخي، إذ تنتظرها استحقاقات مهمة تبدأ بمبارياتها المتبقية في دوري الأمم الأوروبية.
ومن المقرر أن تواجه البرتغال منتخب الدنمارك يوم 14 نوفمبر، قبل مواجهة ويلز يوم 17 من الشهر نفسه، في مباراتين تمثلان فرصة لاختبار شكل المنتخب في ختام مسيرة رونالدو الدولية.
وبعد ذلك ستتجه الأنظار إلى بناء فريق قادر على المنافسة في البطولات المقبلة، وصولًا إلى الاستعداد لبطولة أمم أوروبا 2028 ثم كأس العالم 2030 التي ستستضيفها البرتغال بالاشتراك مع إسبانيا والمغرب.
البرتغال لا تبحث عن رونالدو جديد، بل عن بطل جديد.
انتهى عصر كريستيانو رونالدو مع المنتخب، لكن طموحات البرتغال لم تنتهِ. ويبقى الاختبار الحقيقي هو تحويل إرث الأسطورة إلى دافع لجيل جديد يريد صناعة تاريخه الخاص.
