
د. عادل اليماني.
صدَق اللَّه وكذب المتنطعون.. حقًا لكُلِّ داءٍ دواءٌ يُسْتَطَبُّ بهِ إلا الحماقةَ أَعيتْ من يُداويها.
تحدث هذا المدعو، الذي ملأ الجهلُ عقلَه، والحقدُ قلبَه، نحو كل ما هو مسلم، مؤمن، موحد، قال جهلًا، ونطق كفرًا: الإسلام نفسه، يدعم الإلحاد! القرآن قال لك! لي أنا، وكأن هذا القرآن لم يقل له هو!! فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ.. ولم يُكمل كلام القرآن، وقطع الاتصال، على طريقة ولا تقربوا الصلاة!
استدلاله فاسد، ومعاكس تمامًا لمراد الله من النص.
والحقيقة أن الإسلام والقرآن بريئان من هذا الجهل والكذب، بل وهذه الكراهية لفكرة الإيمان وللمؤمنين، وفي المقابل العطف والحنو على الملحدين، الذين غمرتهم نعم الله المتعددة، وأنكروا فضله!
فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا..
فَلْيَكْفُرْ.. ليست خيارًا مطروحًا، إنما هي (تهديد ووعيد) والدليل، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ….
بعدها مباشرةً، بلا تأخير، بلا فاصل.
والقياس مع الفارق، لما يقول الأب لابنه: عايز تذاكر وتنجح، ذاكر.
عايز تلعب وتفشل، أنت حر!
فهل الأب يُخيّر ابنه بين النجاح والفشل، أم يحذره من الفشل؟!
وهل فشل ابنه، يستوي عنده مع نجاحه؟!
وهل يعيش الأب، ومن توقعاته أن يري فشل ابنه؟!
وهل هي دعوة من الأب، لتخاذل الابن، أم صرخة لتحفيزه نحو النجاح.
ثم هل من المقبول والمعقول، أن الله جلّت قدرته، الداعي إلى عبادته وحده دون غيره، أن يضع إلى جوارها اختيارًا آخر، وهو الإلحاد؟! مستحيل.
في كل صلاة، كل ركعة، لا بد من قراءة سورة الفاتحة، وفيها: إِيَّاكَ نَعْبُدُ..
إقرارٌ كاملٌ شاملٌ تامٌ، بوحدانية الله تعالي، وتفرده سبحانه، دون غيره، بعبادة العباد، وتحذير شديد اللهجة من مخالفة ذلك.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ، المفعول به (إِيَّاكَ) تقدم على الفعل والفاعل (نَعْبُدُ) للتأكيد علي معني الوحدانية. وهو أفضل تعبيرًا من نعبدك (الترتيب المعتاد) الفعل ثم الفاعل ثم أخيرًا المفعول به.
نعبد (الفعل) الضمير المستتر نحن (الفاعل).
الكاف (المفعول به)..
فالتقديم والتأخير، بالمخالفة للمعتاد، يؤكد على تفضيل المتقدم على المتأخر، في الأهمية..
الإيمان والتوحيد، قبل أن يكونا أمرين من الله، فهما نداء الفطرة السوية دومًا.
سُئِلَ الإمامُ الشافعيُ، عن الدليلِ علي وجودِ اللهِ؟
فأجابَ: ورقةُ التوتِ!!
قالوا: كيفَ ذلكَ؟ قالَ: ورقةُ التوت، طعمُها واحدٌ، لكنْ إذا أكلَها دودُ القزِ، أخرجَ حريرًا، وإذا أكلَها النحلُ، أخرجَ عسلًا، وإذا أكَلها الظبيُ، أخرجَ مِسكًا. فمَنْ الذي وحّدَ الأصلَ، وعدّدَ المخارجَ؟!
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
كيف نُدركُ مَنْ خَلقَ؟ وقد عَجَزنا عن إدراكِ ما خلقَ! بل عَجَزنا عن إدراكِ تفسيراتٍ كثيرةٍ، تقعُ أمامَنا كلَ يومٍ، اللهُ وحدَه يعلمُ حِكْمَتَها، والناسُ جميعًا لا يعلمون!
في وقتٍ يقولُ فيه بعضُهم:
نحنُ لا نؤمنُ بوجودِ إلهٍ، تقولُ الفطرةُ السَويةُ: ربُنا اللهُ الإله،
واحدٌ جلَ عُلاه،
ليسَ من ربٍ سواه،.
لا إلهَ إلا الله..
يقفُ أمامَك المُلحدُ مُختالًا، بجسدٍ وهيئةٍ وتكوينٍ، كلُها إبداعاتٌ وإعجازاتٌ، ليسألَك بذكاءٍ خارقٍ! أينَ الدليلُ على وجودِ الخالقِ؟! فلا تدري، في هذا المقامِ، أيَ الجوابين أنسبُ؟ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أم: قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ!
لقد أكدتِ الأبحاثُ العلميةُ، والتجاربُ المعمليةُ، أن المُلحدَ عندما يُذكرُ أمامَه، اسمُ اللهِ، يتوهجُ في دماغِه مركزُ الخوف.
إذن هو يؤمنُ في قرارةِ نفسِه بوجودِ اللهِ، لكنه ظاهريًا، يجحدُ ذلك: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُم.
سُئِلَ أعرابيٌ: بمَ عَرَفتَ ربَك؟ فقالَ: الأثرُ يدلُ على المسيرِ، والبَعْرَة تدلُ على البعيرِ، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ، وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ، ألا يدلُ ذلك كلُه على السميعِ البصيرِ؟!
سألَ أحدُهم شيخًا، السؤالَ المتكررَ: ما الدليلُ علي وجودِ اللهِ؟
وكانَ السائلُ يعملُ صيادًا، فأجابَ الشيخُ:
هل رَكِبتَ البحرَ يومًا؟ قالَ: نعم.
هل هبّتْ عليكَ الريحُ العاصفُ، وخِفتَ الغرقَ؟ قالَ: نعم.
هل انقطعَ رجاؤكَ من المركبِ والملاحين؟ قالَ: نعم.
هل أحسستَ أن هُناك مَنْ يستطيعُ أن يُنقذَكَ مما أنتَ فيه؟ قالَ: نعم.
فقالَ الشيخُ: ذلكَ هو اللهُ!!
وسألوا الإمامَ أبا حنيفةٍ: مَنْ كانَ قبلَ اللهِ؟! قالَ: ماذا قبلَ الأربعةِ؟ قالوا: الثلاثةُ، قالَ: وماذا قبلَ الثلاثةِ؟ قالوا: الاثنان، قالَ: وماذا قبلَ الاثنين؟ قالوا: الواحدُ، قالَ: وماذا قبلَ الواحدِ؟ قالوا: لا شيء.
قال: إذا كانَ الواحدُ الحسابيُ، لا شيءَ قبلَه، فكيفَ بالواحدِ الحقيقي.
قالوا: في أيِ جهةٍ يتجهُ ربُك؟
فقالَ لو أحضرتُم مصباحًا في مكانٍ مظلمٍ، في أي جهةٍ يتحركُ نورُه؟ قالوا: في كلِ مكانٍ، فقالَ: إذا كانَ هذا النورَ الصناعيَ، فكيفَ بنورِ السماءِ والأرضِ؟
ثم قالوا: قُلْ لنا شيئًا عن ذاتِ ربِك، أهي صُلبةٌ كالحديدِ، أم سائلةٌ كالماءِ، أم غازيةٌ كالدُخانِ.
قال: هل جلستُم مع مريضٍ في النزعِ الأخيرِ؟ قالوا: نعم.
هل أصبحَ يُحدثُكم بعدَ موتِه؟ قالوا: لا.
هل كانَ يُحدثُكم قبلَ موتِه؟ قالوا: نعم.
إذن ما الذي تغيرَ؟
قالوا: خرجتْ روحُه.
قالَ: وأنتم جالسون معه.
قالوا: نعم..
قالَ: صفوا لي هذهِ الروحَ، أهي صُلبةٌ كالحديدِ، أم سائلةٌ كالماءِ، أم غازيةٌ كالدُخانِ؟
قالوا: كيفَ لنا أن نراها؟
قالَ: وكيفَ لكم أن تصِفوا ذاتَ ربِكم، وقد عَجَزتُم عن وصفِ الروحِ، وهي مخلوقٌ من مخلوقاتِه.
تحدى أحدُ المُلحدين، علماءَ المسلمين، فاختاروا أذكاهم، ليردَ عليه، وحددوا لذلكَ موعدًا.
وفي الموعدِ المحددِ، ترقبَ الجميعُ، وصولَ العالِمِ، لكنه تأخرَ!
فقالَ المُلحدُ: لقد هربَ عالمُكم، وخافَ؛ لأنه عَلِمَ أنني سأنتصرُ عليه! وإذا بالعالم يصلُ، ويبدأُ مُعتذرًا: وأنا في الطريقِ إليكم، لم أجدْ قاربًا، أعبرُ به النهرَ، وانتظرتُ على الشاطئ، وفجأةً، ظهرت ألواحٌ من الخشبِ، وتجمعتْ مع بعضِها، بسرعةٍ ونظامٍ، حتي أصبحتْ قاربًا، ثم اقتربَ القاربُ مني، فركِبتُه وجئتُ إليكم.
قالَ المُلحدُ متعجبًا: إن عالمَكم يهذي، إذ كيفَ يحدثُ ما يقولُ، دونَ أن يصنعَه أحدٌ؟ دونَ أن يُحركَه أحدٌ؟
تبسمَ العالِمُ، وقال: وماذا تقولُ عن نفسِك، وأنت تزعمُ أن هذا الكونَ العظيمَ الكبيرَ، بلا إلهٍ!
هذا الأفاك الأشر، تجارته كاسدة، وبضاعته فاسدة، وهو أمر معلوم بالضرورة لدى الجميع.
في وقت ينبطح فيه ابتغاء مرضاة أسياده، لا يجد حرجًا في نشر الضلال، والحض على الرذيلة، والتنفير من الفضيلة، وفي القدح في الصالحين والمؤمنين، بل في الدين نفسه!
وسبحانك ربي، اجتمع على كراهيته، الحطابون في الجبال، والفلاحون في مزارعهم، والعجائز حول نار المدفأة، في ليالي الشتاء الباردة!!
هو لا شكل، لا طلة، لا صورة، لا صوت، لا حضور، لا لغة، لا موضوعية، لا مصداقية، لا أمانة، بل لا قيمة على الإطلاق.
عروضه زائفة، وبطولاته كاذبة.
اللهم نجِّ البلاد والعباد من أمثاله.
وثبتْ قلوبَنا على الإيمانِ بك..
اللهم آمين..
