شهدت الحلقات الأسبوعية للمدرسة الحقلية في قرية شرباس الملح التابعة لمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ انطلاق مجموعات كبيرة من المشاركين نحو دراسة أفكار أولية لمشروعات متناهية الصغر، على أن تكون قابلة للتنفيذ وتتمتع بالاستدامة.
وتأتي هذه التحركات ضمن مشروع “تعزيز الزراعة الذكية مناخيا والتنوع البيولوجي الزراعي لدعم القدرة على التكيف في المجتمعات الريفية الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية في الأراضي القديمة والجديدة بدلتا النيل وصعيد مصر”، الذي بدأ عام 2024، وتنفذه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بتمويل من الشؤون العالمية في كندا عبر برنامج التمويل المناخي الدولي، وبالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وبدعم من وزارة البيئة والمجلس القومي للمرأة.
كفر الشيخ تحت ضغط التغيرات المناخية
تواجه محافظة كفر الشيخ تحديات بيئية وزراعية متصاعدة بفعل تغير المناخ، بعدما أصبحت درجات الحرارة المرتفعة وتقلبات الأمطار غير المتوقعة جزءًا من المشهد المتكرر في الإقليم. وأسهم ذلك في زيادة تبخر المياه وارتفاع ملوحة المياه الجوفية، إلى جانب تأثير الأساليب التقليدية للري وضعف الصرف.
وأمام هذه الظروف، برزت الحاجة إلى تحسين كفاءة أنظمة الري بهدف تقليل استهلاك المياه والحد من تدهور التربة، مع التوسع في تنويع المحاصيل عبر إدخال أصناف تتحمل الملوحة والجفاف، بما يساعد على حماية موارد المحافظة وضمان استدامة سبل عيش المزارعين على المدى الطويل.
أهداف المشروع ترتبط بالأمن الغذائي وسبل العيش
ضمن أهداف المشروع أيضًا العمل على تقليل انعدام الأمن الغذائي الناتج عن تغير المناخ، وتحسين سبل العيش من خلال نهج مجتمعي متكامل يعزز التنوع البيولوجي ويتماشى مع مبادئ الترابط بين الماء والطاقة والغذاء.
ولتحقيق ذلك، بدأ الميسرون بعد انتهاء الموسم الأول من الزراعة في المدرسة الحقلية بتحفيز روادها على البحث عن نقاط مشتركة للعمل الجماعي داخل إطار واحد يحقق خفض انعدام الأمن الغذائي وتحسين سبل عيش الأسر الريفية، مع تشجيع المرأة والشباب على الانخراط في العمل المشترك.
ورغم أن الأفكار لا تزال في مرحلة أولية بسيطة، فإن روح التعاون بدأت تتشكل بالفعل عبر مجموعات تجمعها اهتمامات متقاربة وتصوّرات متشابهة للمشروعات الممكن تنفيذها.
مجموعة سيدات تفكر في منتجات الألبان
إحدى هذه المجموعات تضم خمس سيدات رأت أن هناك طلبًا متزايدًا داخل القرية والقرى المجاورة على منتجات الألبان. وقالت سارة هيكل إن لديهن غرفة خالية داخل منزلها جيدة التهوية ويمكن أن تُستخدم كمعمل لمنتجات الألبان.
وأضافت أنها بدأت مع زميلاتها بسمة وسعاد وصابرين ونعيمة البحث عمّا تمتلكه كل واحدة منهن وما يمكن أن يشكل إضافة حقيقية للمشروع المقترح.
لقاءات أسبوعية غيّرت طريقة التفكير
اللقاءات الأسبوعية للمدرسة الحقلية في شرباس الملح أسهمت منذ منتصف 2024 في تطوير أنماط تفكير مختلفة لدى المنضمين إليها. وخلال تلك اللقاءات تمكن المزارعون من تجربة عدد من الممارسات الزراعية الحيوية بشكل جماعي، الأمر الذي عزز الثقة بينهم ورسّخ قناعة نجاح العمل المشترك.
وفي سياق النقاشات المستمرة داخل المدرسة الحقلية، رأى سمير مسعد، وهو مزارع أربعيني، أن ما يمكنه إضافته للمجموعة المهتمة بمنتجات الألبان هو شبكة الموردين التي يتعامل معها دائمًا في محافظتي البحيرة والإسكندرية. وأوضح أنهم يطلبون منه موسميًا تجميع الألبان من مزرعته لتوزيعها.
أفكار أخرى لزراعة الأسطح والصوبات والتبريد
أما المجموعة الثانية فتناقش مع الرائدة الريفية فرص الاستفادة من التقنيات التي تعلمتها داخل المدرسة لتطبيق مشروع زراعة أسطح المنزل. وتبحث وفاء مع زملائها إمكانية زراعة الطماطم الشيري والفلفل الملون ومدى جدوى هذا الاتجاه اقتصاديًا وحجم الطلب عليه داخل المحافظة.
كما طرحت هناء سيد فكرة المقارنة بين مشروعين؛ الأول إنشاء صوبة صغيرة في الفناء الأمامي لمنزلها لزراعة شتلات موالح وفواكه، والثاني زراعة شتلات خضر وفواكه لبيعها للمزارعين في قريتها، خاصة أن أقرب مركز لزراعة الشتلات يبعد عنها نحو 20 كم.
وفي فكرة أخرى اقترحت وفاء عوض تحضير وتوزيع الخضراوات المجمدة داخل المراكز القريبة من القرية التي تشهد طلبًا مرتفعًا على الخضار المجمد الجاهز للاستخدام. ودار نقاش بينهن حول تكلفة التبريد وأدواته وكلفة النقل والتوزيع.
مرحلة لاحقة لاختيار المشروعات القابلة للتنفيذ
وقال الدكتور أحمد حمدي مدير المشروع بمحافظة كفر الشيخ إن رواد المدرسة يناقشون أفكارهم ويمارسون العصف الذهني خلال لقاءاتهم بشكل عفوي تمامًا. وأوضح أن هذه الأفكار ستُصاغ بصورة أكثر وضوحًا مع بدء تلقيهم محاضرات عن أهمية حساب التكاليف وإعداد دراسات الجدوى المبدئية ووضع تصور أولي للعوائد.
وأضاف حمدي: “نحن هنا في المرحلة الأولى لطرح الأفكار، سننتقل بعدها إلى مرحلة اختيار المشروعات القابلة للتنفيذ لتحديد أشكال الدعم التي يمكن تقديمها لها. فمثلًا إذا استقرت المجموعة على مشروع صناعة منتجات الألبان ستحتاج إلى تدريب لدى متخصصين على طريقة الإنتاج وآليات الحفظ ومراقبة الجودة وزيادة الإنتاجية بشكل يقلل الهدر”.
المدرسة الحقلية تتحول إلى منتدى مجتمعي
وأوضح مدير المشروع أن أحد أهم أهداف المبادرة هو تحقيق الاستدامة المالية للمشروعات الفردية أو الجماعية ضمن مستهدفات تحسين سبل العيش في القرى المستهدفة بالمشروع. كما أصبحت المدرسة الحقلية نفسها تتجاوز دورها التعليمي لتتحول إلى منتدى كبير لأهالي القرية يطرحون فيه الأفكار والتجارب والممارسات بعدما نجحت تجربتهم السابقة في العمل الجماعي خلال موسمي الذرة والأرز.
وأشار إلى أن نجاح هذا التحول ارتبط أيضًا بتثقيف وتطوير أنماط العمل الجماعي بين رواد المدارس عبر مجموعة من الميسرين الذين جرى اختيارهم من خلفيات ومؤسسات متنوعة ضمن برنامج تدريب المدربين المنفذ في المحافظات الثلاث.
ومن بين هؤلاء 20 مشاركًا ينتمون إلى محافظة كفر الشيخ تمثل النساء منهم نسبة 25%، ويؤدي هؤلاء المتدربون دورًا محوريًا كمدربين رئيسيين ضمن برنامج المدارس الحقلية للمزارعين. وقد جرى اختيارهم بعناية من كوادر مديريات الزراعة ومحطات البحوث الزراعية وكليات الزراعة إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص لضمان نقل المعرفة وتبادل الخبرات بين الميسرين ورواد المدارس الحقلية.

