لطالما كانت علاقة الأسطورة محمد صلاح بقميص المنتخب الوطني المصري تجسيدًا حيًا لدراما كرة القدم في أقصى صورها قسوة. رحلة طويلة وممتدة من العطاء الاستثنائي، انتهت دائمًا بدموع وانكسارات تفطر القلوب على أعتاب المجد.

ولكن الساحرة المستديرة، التي أدارت ظهرها كثيرًا للملك المصري، قررت أخيرًا أن تنصف إخلاصه وتبتسم له في المكان الأكبر والأغلى، نهائيات كأس العالم 2026.

لكي نفهم حجم الإنجاز التاريخي والتأهل الإعجازي للفراعنة إلى دور ثمن النهائي في المونديال الحالي، يجب أن نعود بالذاكرة إلى الوراء لنرصد شريط العذاب النفسي والرياضي الذي عاشه قائد المنتخب قبل أن يصل إلى هذه اللحظة الفارقة.

محمد صلاح يبكي

سنوات الانكسار.. دموع فوق منصات الذهب

بدأت لعنة المباريات النهائية تطارد محمد صلاح في عام 2017 ببطولة كأس الأمم الإفريقية في الجابون؛ حيث كان الفراعنة على بعد خطوات من معانقة الكأس الثامنة، قبل أن تتلقى شباكهم هدفًا قاتلًا أمام الكاميرون في الدقائق الأخيرة، ليخرج صلاح باكياً في مشهد تكرر كثيرًا بعد ذلك.

ولم يكد يستفيق صلاح من هذه الصدمة حتى قاد مصر بمعجزة فردية إلى كأس العالم 2018 بروسيا، وهناك اصطدم بلعنة الإصابة الشهيرة في كتفه، ليشهد حلمه المونديالي الأول يتبخر بالخروج القاسي والمبكر من دور المجموعات بثلاث هزائم متتالية دون أن يتذوق طعم الانتصار.

ولأن كرة القدم لا ترحم أحياناً، جاء عام 2022 ليكون العام الأكثر قسوة في مسيرة السهم المصري. حيث تعرض لخسارة نهائي أمم إفريقيا بالكاميرون أمام السنغال بركلات الترجيح، ثم السيناريو الكابوسي بعدها بأسابيع قليلة بالفشل في التأهل لمونديال قطر 2022 أمام المنافس ذاته وبركلات الترجيح أيضًا، مما جعله يبكي بحرقة داخل غرف الملابس.

حتى عندما تجدد الأمل في بطولة أمم إفريقيا الأخيرة 2025، توقفت الطموحات عند محطة النصف النهائي، ليتجدد السؤال المر: هل سيعتزل التاريخي دون إنجاز دولي يليق بلقب الملك؟

محمد صلاح يحصد جائزة رجل مباراة مصر وأستراليا

مونديال 2026.. العدالة الإلهية تنصف القائد

لكن لغة كرة القدم تغيرت هذه المرة مع انطلاق منافسات البطولة في أمريكا والمكسيك وكندا. تحت قيادة وطنية صارمة وبشخصية قتالية أعادها حسام حسن للمجموعة، قاد محمد صلاح جيلاً رافضاً للاستسلام.

وفي المونديال الحالي، تحول كابوس الماضي إلى ملحمة؛ حيث نجح الفراعنة بدك حصون المنافسين وسجلوا ستة أهداف كاملة في طفرة هجومية غير مسبوقة. وكان لصلاح نصيب الأسد منها ليعتلي عرش الهداف التاريخي لمصر برصيد ثلاث أهداف.

محمد صلاح

التأهل التاريخي لثمن نهائي كأس العالم 2026 لم يكن مجرد عبور لدور إقصائي، بل كان صك الغفران والعدالة الكروية التي انتظرتها الجماهير لإنصاف مسيرة محمد صلاح مع الفراعنة.

وأخيراً أطلق القائد ابتسامته الشهيرة بعد صافرة النهاية؛ ابتسامة طردت معها كل لعنات النهائيات الضائعة وأثبتت أن من يقاتل للنهاية لابد أن تفتح له ساحات المجد أبوابها. دموع الأمس تحولت إلى أفراح، والملك الآن يقود أحلام المصريين إلى آفاق لم يطأها الفراعنة من قبل.