وحذّر الخبراء من أن أي أضرار تلحق بالكهوف ستؤثر سلبًا على قدرة الولايات المتحدة على استخدام هذا الاحتياطي في مواجهة أزمات الطاقة المستقبلية. يتم تخزين النفط الاستراتيجي داخل 60 كهفًا ملحيًا تقع على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، موزعة عبر أربعة مواقع رئيسية على امتداد ساحل الخليج في ولايتي لويزيانا وتكساس.
في الوقت الراهن، تراجعت كميات النفط المخزنة إلى أقل من 300 مليون برميل للمرة الأولى منذ بدء ملء الاحتياطي في أوائل الثمانينيات، وفقاً لأحدث بيانات وزارة الطاقة الأمريكية. وقد جاء هذا الانخفاض بعد سحب نحو 172 مليون برميل لتغطية اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب الإيرانية، حيث يُتوقع أن تنخفض الكميات إلى حوالي 243 مليون برميل عقب اكتمال عمليات السحب كما أوردت شبكة “سي إن بي سي”.
وأكدت وزارة الطاقة أن الحفاظ على سلامة الكهوف يتطلب الاحتفاظ بما لا يقل عن 70 مليون برميل داخل الاحتياطي، لكن آموس هوكستين، المستشار السابق لشؤون الطاقة للرئيس السابق جو بايدن، عارض هذا التقدير قائلاً إنه “لا تصدقوا المسؤولين الحكوميين الذين يقولون إن احتياطي النفط الاستراتيجي يمكن أن ينخفض إلى 70 مليون برميل؛ فهذا كلام فارغ”.
خلاف حول سلامة الكهوف
وفي رد فعل منه، قال بن ديتديريتش، المتحدث باسم وزارة الطاقة الأمريكية، إن المخاوف بشأن احتمال انهيار كهوف تخزين الاحتياطي النفطي الاستراتيجي نتيجة للسحب المستمر لا تستند إلى أسس صحيحة. وأوضح أن هذه الكهوف تظل دائمًا ممتلئة بالنفط بينما تتغير فقط نسبة النفط إلى المياه الموجودة بداخلها.
وأضاف ديتديريتش في بيان لشبكة “سي إن بي سي” أن إدارة ترامب كانت تتعامل مع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي كأصل أساسي للأمن القومي بما يتوافق مع الهدف الذي أنشئ لأجله. ومع ذلك، حذر هوكستين مجددًا من تداعيات خفض المخزون إلى مستويات متدنية وقدر أنه خلال حديثه في يونيو بأن انخفاض الاحتياطي دون الـ300 مليون برميل قد يؤدي للإضرار بالكهوف التي يخزن فيها النفط.
هذا وقد أثارت قضية سلامة الكهوف الملحية مخاوف بين مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بعد قيام إدارة بايدن بسحب نحو 180 مليون برميل من الاحتياطي في عام 2022 بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا. وكان قد تم تسجيل انخفاض المخزونات إلى أقل من 350 مليون برميل خلال عام 2023 قبل أن ترتفع مجددًا إلى نحو 415 مليون برميل قبيل اندلاع الحرب الإيرانية.
وأشار تقرير صادر عن “مكتب محاسبة الحكومة” في مايو الماضي إلى أن تكرار عمليات السحب الجزئي ثم إعادة ملء الاحتياطي قد يؤدي إلى إذابة المناطق نفسها داخل الكهوف مرات متعددة مما قد يتسبب في تشكيلها بطريقة غير مرغوبة. وذكر التقرير أيضًا أن معظم كهوف الاحتياطي كانت في حالة جيدة بعد عمليات السحب التي جرت خلال عام 2022 ولكن حذروا من أنه مع كل عملية سحب يتم توسيع حجم الكهوف وتقليل المسافات بينها داخل القبة الملحية مما يؤثر تدريجياً على قدرتها على الصمود على المدى الطويل.
تتم عملية استخراج الخام عبر ضخ المياه في قاع الكهوف لدفع النفط للأعلى قبل نقله عبر الأنابيب.
الحد الأدنى الآمن للمخزون
قال سيدهارث ميسرا، أستاذ هندسة البترول بجامعة تكساس إيه آند إم، إن الـ70 مليون برميل تمثل الحد الأدنى الذي يجب الحفاظ عليه لضمان بقاء أنابيب الاستخراج مغمورة بأمان داخل النفط وليس المياه. لكنه أضاف أيضاً بأن المستوى التشغيلي الأدنى لمخزون الخام يتراوح بين250 و300 مليون برميل مشيراً إلى خطر ارتفاع المخاطر المرتبطة بسلامة الكهوف والقدرة التشغيلية للمنظومة إذا استمرت المستويات الحالية.
وحذر ميسرا من أن هبوط المخزون دون الـ300 مليون برميل قد يحد بشكل كبير من قدرة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي على ضخ الخام بالسرعة المطلوبة خلال حالات الطوارئ ويعرض الأنابيب والمضخات للخطر بسبب تراجع سماكة طبقة النفط وصعود الرواسب باتجاه فتحة الاستخراج الموجودة بسقف الكهف.
كما أوضح ميسرا أيضًا أن عمليات السحب السريع غالباً ما تتطلب ضخ مياه عذبة للكهوف مما يؤدي بدوره لإذابة الجدران الملحية وإنتاج أسقف أكثر استواءً وأقل استقراراً إضافةً لإضعاف الأعمدة الملحية التي تفصل بين الكهوف المتجاورة مما يزيد خطر الانهيارات الهيكلية. وأشار أيضًا أنه بالرغم من تصميم النظام لاستيعاب خمس عمليات سحب كاملة إلا أنه شهد عشرات العمليات الكبيرة والصغيرة خلال الأربعين عامًا الماضية مما تسبب بتشوهات كبيرة داخل الكهوف وسرعت سقوط كتل ملحية من الأسقف وأضعفت السلامة الهيكلية للنظام الذي أصبح متقادماً.
مسؤولون في وزارة الطاقة الأمريكية أكدوا لـ”مكتب محاسبة الحكومة” أنهم يحافظون على استقرار البنية التحتية للاحتياطي النفطي الاستراتيجي عبر ما وصفوه بـ”حلول ترقيعية” لكنهم اعترفوا بعدم قدرتهم تحديد المدة الزمنية التي ستستمر خلالها هذه الإجراءات.
وخلص “مكتب محاسبة الحكومة” إلى أنه حتى ديسمبر المقبل سيكون أكثر من ربع مخزون الاحتياطي غير متاح للسحب نتيجة لتوقف أعمال الإنشاء وتعطل بعض الكهوف. بينما قدر محللو “رابيدان إنرجي” بأن حدود الحد الأدنى للاحتياطيات شبه المرنة تبلغ حوالي170 مليون برميل مشيرين لأن أي انخفاض دون هذا المستوى سيعني زيادة مخاوف السلامة وعوائق أمام القيام بعمليات سحب إضافية.
وحذر هوكستين مجددًا بأن تعرض فلوريدا أو لويزيانا لإعصار يمكن أن يعرض الولايات المتحدة لوضع بالغ الصعوبة وسط مستويات المخزون الحالية وأن هبوط الاحتياطيات لأقل من الـ300 مليون يعني زيادة تعقيد العمليات ولكنه لا يمنعها بالكامل بل يبطئ معدلات التدفق ويزيد درجة المخاطر التي تواجهها البلاد.

