تواصلت اليوم في باريس أعمال القمة الدولية للفضاء التي تستضيفها فرنسا بمشاركة نحو 90 من رؤساء الدول والحكومات وممثلي كبرى الشركات والمؤسسات العاملة في قطاع الفضاء من مختلف أنحاء العالم.
وتبحث القمة، التي تُعقد برئاسة مشتركة فرنسية ألمانية، مستقبل قطاع الفضاء في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ودوره المتزايد في الحياة اليومية، من الاتصالات ومراقبة المناخ إلى الاقتصاد والدفاع والأمن، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي ووضع قواعد أكثر وضوحًا لتنظيم الأنشطة الفضائية.
ماكرون: الفضاء أصبح جزءًا من الحياة اليومية ويتطلب تنظيمات أحدث
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا تمتلك رؤية واضحة لسياسة الفضاء منذ عام 1945، سواء في المجال المدني أو الدفاعي، مشددًا على أن هذه السياسة تُبنى في إطار التعاون مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.
وقال ماكرون إن الفضاء بات عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، لا سيما في مجالات الاتصالات والمناخ والاقتصاد والدفاع، وأن القمة تحمل رسالة بأن الفضاء لم يعد بمنأى عن المشكلات والتحديات التي تواجه الأرض.
وأضاف أن اتفاقية الفضاء الخارجي لعام 1967 أرست مبادئ مهمة، إلا أن التطورات التي شهدها قطاع الفضاء تفرض الحاجة إلى تنظيمات أكثر ملاءمة للتحديات الجديدة، موضحًا أن القمة الحالية هي «قمة التزامات» سيتم خلالها توقيع عقود واستثمارات تصل قيمتها إلى عدة مليارات من اليورو.
وأشار إلى أن المشاركين يركزون على أولويات أبرزها أمن الفضاء واستدامته، ووضع خريطة واضحة لتنظيم حركة التنقل في الفضاء، وإتاحة البيانات الفضائية للجميع باعتبارها ليست حكرًا على طرف بعينه، إلى جانب تعزيز الأبحاث والاستثمار فيها مع تخصيص نحو 20 مليار يورو لهذا الغرض حتى عام 2030.
ولفت ماكرون إلى أن التعاون مع الشركاء يمثل أحد الأهداف الرئيسية للقمة، مشيرًا إلى أنه من المنتظر إصدار نحو 50 إعلان تعاون مع شركاء مختلفين، فضلًا عن اتفاقات بين شركات كبرى وشركات أوروبية لإطلاق أقمار صناعية.
وشدد على هدف إظهار أن أوروبا موجودة بقوة في مجال الفضاء عبر توفير وصول متعدد وقوي بأسعار ميسرة، مع تطوير مركبات إطلاق قوية والتحكم في تكاليفها. وقال إن أوروبا عززت بالفعل قدرتها على الوصول المستقل إلى الفضاء من خلال برنامج «أريان»، مؤكدًا أنه إذا لم تعمل الدول الأوروبية معًا فلن تتمكن من بناء قدرتها التنافسية.
ودعا ماكرون إلى إنشاء نظام اتصالات أوروبي مؤمَّن خلال السنوات العشر المقبلة، والانتقال إلى سوق أوروبية حقيقية للفضاء مع إبقاء هذا السوق مفتوحًا أمام الشركاء في مجالات مراقبة الفضاء والبحار ومكافحة الحرائق والكوارث.
كما دعا إلى تبني «الأفضلية الأوروبية» وتوجيه الطلبات الحكومية نحو قطاع الفضاء الأوروبي، مع إبرام اتفاقات مع الشركاء في آسيا والخليج وإفريقيا وأمريكا تكون الأولوية فيها للصناعة والقدرات الأوروبية.
وتحدث الرئيس الفرنسي عن طموح أن تصبح جميع عناصر الوصول الأوروبي إلى الفضاء في الرحلات المأهولة أوروبية، من مركبات الإطلاق إلى مكونات الرحلة وصولًا إلى رواد الفضاء، مشددًا على أهمية تحديث مركز غويانا الفضائي في أمريكا الجنوبية لتحقيق هذا الهدف.
واختتم ماكرون كلمته بالتأكيد على أن العالم يقف أمام بداية «مغامرة جماعية كبرى»، معربًا عن أمله في أن تتمكن أوروبا خلال السنوات العشر المقبلة من إقامة شركات ومشروعات جديدة مع شركائها في آسيا وإفريقيا وأمريكا والمساهمة في بناء السلام.
فون دير لاين: تأمين الاتصالات أولوية أوروبية والبيانات الفضائية تدعم مواجهة الكوارث
من جهتها، ركزت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على الدور المتزايد للأقمار الصناعية والبيانات الفضائية في مواجهة الكوارث الطبيعية وحماية السكان.
وأكدت فون دير لاين أهمية استخدام البيانات التي تجمعها الأقمار الصناعية في رصد الحرائق والكوارث والتنبؤ بها قبل تحولها إلى أزمات واسعة النطاق، مشيرة إلى أن هذه البيانات يمكن أن تساعد الدول على التحرك بصورة مبكرة في مواجهة الأخطار. وضربت مثالًا بالزلازل والانزلاقات الأرضية التي شهدتها نيبال.
وأوضحت أن برامج أوروبية مثل «كوبرنيكوس» و«جاليليو»، رغم كونها استثمارات أوروبية، تحولت إلى منفعة عامة يستفيد منها العالم بأسره وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص.
وقالت إن الأوروبيين «عملوا كأوروبا واحدة»، وأن نظام الملاحة الأوروبي «جاليليو» أصبح أساسًا مهمًا للاقتصاد الأوروبي. وأضافت أن أوروبا تمتلك قدرة متزايدة على إطلاق مركباتها الفضائية بشكل مستقل.
وشددت فون دير لاين على أن تأمين الاتصالات في أوقات الأزمات يمثل إحدى أهم أولويات أوروبا، مؤكدة ضرورة امتلاك القارة بنية فضائية قادرة على ضمان استمرار الاتصالات والخدمات الحيوية حتى في أصعب الظروف.
وتعكس كلمات ماكرون وفون دير لاين توجهًا فرنسيًا وأوروبيًا نحو تعزيز السيادة والقدرة التنافسية في مجال الفضاء، مع التأكيد على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا، بالتزامن مع تزايد الدور الاستراتيجي للفضاء واتساع مشاركة الشركات الخاصة فيه.
