نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مشروع إسنا التاريخية.. من التتويج بجائزة الآغا خان إلى تجربة أكاديمية بجامعة عين شمس, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 02:43 مساءً
تحوّل مشروع إحياء مدينة إسنا التاريخية في محافظة الأقصر إلى محور دراسة أكاديمية متخصصة بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، بعد اختياره كنموذج رئيسي للتعلم والبحث ضمن مشروع تعليمي وبحثي متقدم لطلاب ماجستير العمارة، بعنوان: “إحياء المناطق والمدن التاريخية: في التعلم من مشروع إحياء إسنا التاريخية”، وذلك عقب فوز المشروع بجائزة الآغا خان للعمارة لعام 2025، وما حققه من حضور دولي باعتباره أحد أبرز نماذج إحياء المدن التاريخية في المنطقة.
ويأتي هذا التحول في إطار توجه أكاديمي جديد داخل كلية الهندسة بجامعة عين شمس، يربط بين النظريات المعمارية والتجارب الواقعية الناجحة، حيث تم اعتماد مشروع إسنا كدراسة حالة متكاملة لفهم آليات إحياء المدن التاريخية وإعادة توظيفها تنمويًا وعمرانيًا واجتماعيًا.

سيمنار أكاديمي يناقش تجربة إسنا
وقد شهد السيمنار النهائي للمشروع البحثي والتعليمي، الذي نُظم ضمن مقرر النظريات والتاريخ والنقد المعماري، مناقشة موسعة للمشروعات البحثية المقدمة من الطلاب، تحت إشراف كل من:
الدكتور جلال عبادة، والدكتور محمود إسلام جاد الحق، والدكتور عبدالرحمن أيمن فهمي، وبمشاركة ودعم فني من برنامج التعليم بمؤسسة الآغا خان للثقافة، وبالتعاون مع جائزة الآغا خان للعمارة.
وأكد الدكتور جلال عبادة أن السيمنار شهد حضور عدد من الخبراء والمتخصصين في العمارة والحفاظ العمراني من مصر والمنطقة العربية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسة الآغا خان واللجنة الاستشارية للتعليم المعماري في الشرق الأوسط، حيث تمت مناقشة نتائج الطلاب والدروس المستفادة من تجربة إسنا وإمكانات تطبيقها على مشروعات مشابهة.
تحليل معمّق لمشروع إحياء إسنا
واعتمد المشروع التعليمي على دراسة تجربة إحياء إسنا بصورة تحليلية معمقة، وهو المشروع الذي نفذته مؤسسة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، بالتعاون مع محافظة الأقصر ووزارة السياحة والآثار وعدد من الجهات الدولية المانحة.
وقام الطلاب بتحليل وثائق المشروع ومراحله المختلفة، إلى جانب دراسة تقرير لجنة التحكيم الرئيسية لجائزة الآغا خان للعمارة لعام 2025، لفهم الأسباب التي دفعت لاختيار المشروع ضمن المشروعات الفائزة، إضافة إلى تحليل المعايير العمرانية والاجتماعية والتنموية التي استندت إليها لجنة التحكيم.
كما أعاد الطلاب تطبيق هذه المعايير على المشروع نفسه، مع تقديم قراءات نقدية مستقلة لاستخلاص أبرز الدروس المستفادة من التجربة.

ندوة علمية حول إحياء المدن التاريخية
وشارك طلاب ماجستير العمارة في ندوة علمية موسعة حول إحياء المناطق والمدن التاريخية في مصر، استضافت عددًا من القائمين على مشروعات الإحياء والتأهيل العمراني في القاهرة والإسكندرية، قبل أن يتولى كل طالب دراسة مشروع مستقل وتحليله وفق منهجية مستخلصة من تجربة إسنا.
إسنا كنموذج للإحياء التشاركي
وكشفت نتائج الدراسات أن مشروع إحياء إسنا يمثل نموذجًا متقدمًا للإحياء التشاركي، يتجاوز الفصل التقليدي بين البعدين العمراني والاجتماعي، حيث نجح في الدمج بين الحفاظ على التراث العمراني وتحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إشراك المجتمع المحلي في عملية التطوير بشكل فعّال.
وأوضحت النتائج أن من أبرز عوامل النجاح اعتماد المشروع على المنهج التشاركي، وإعادة الاستخدام التكيفي للمباني التاريخية، إلى جانب ما يُعرف بـ"التدخلات الحضرية المحدودة" أو “الوخزات الحضرية”، التي تستهدف مواقع بعينها لتحقيق تأثير واسع في النسيج العمراني والاقتصادي.
التنفيذ التدريجي وتحول مفهوم المدينة
وأكدت الدراسات أهمية منهج “التنفيذ التدريجي” الذي تبناه المشروع، باعتباره نموذجًا عمليًا لتحقيق نتائج مستدامة على مراحل، وإتاحة الفرصة للمجتمعات المحلية للتفاعل مع عملية التطوير والاستفادة منها.
وأشار الطلاب إلى أن أحد أبرز إنجازات تجربة إسنا يتمثل في الانتقال من مفهوم “المتحف المجمّد” إلى “المدينة الحية”، حيث لم يعد التراث مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية ومحركًا للتنمية المحلية.
دروس نقدية وإعادة تقييم المعايير
ورغم النجاح اللافت، أشارت الدراسات إلى ضرورة مراعاة خصوصية مدينة إسنا من حيث حجمها السكاني المحدود نسبيًا، والذي يبلغ نحو 70 ألف نسمة، ما يستدعي الحذر عند نقل التجربة إلى مدن أكبر وأكثر تعقيدًا.
كما لفتت النتائج إلى أهمية تعزيز دور التمويل الدولي في مشروعات الإحياء العمراني، شريطة أن يقوده شركاء محليون لديهم فهم عميق لاحتياجات المجتمع.
وأكد الطلاب أن معايير تقييم مشروعات الإحياء العمراني تحتاج إلى مزيد من التكامل مع الأبعاد البيئية والحوكمية والحفاظية، إلى جانب تطوير أدوات قياس دقيقة للأثر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي على المدى الطويل.
نحو تطوير النقد المعماري
وأبرزت الدراسات أهمية تطوير النقد المعماري عبر اختبار المرجعيات والمعايير الدولية على تجارب محلية ناجحة، بدلًا من الاكتفاء بالأطر النظرية المجردة، بما يسهم في بناء معرفة أكثر ارتباطًا بواقع المدن التاريخية في العالم العربي.
كما خلصت إلى أن التدخلات المحدودة والمدروسة في مواقع بعينها قد تكون أكثر تأثيرًا من المشروعات الشاملة واسعة النطاق، وأن القياس متعدد الأبعاد يمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم نجاح أي مشروع إحياء حضري.
من مشروع محلي إلى مرجع أكاديمي
اتفق أعضاء هيئة التدريس والطلاب على أن تجربة إحياء إسنا لم تعد مجرد مشروع محلي ناجح، بل تحولت إلى مرجع أكاديمي ومهني يمكن توظيفه في تطوير مناهج التعليم المعماري، وصياغة رؤى جديدة لإحياء المدن التاريخية في مصر والعالم العربي، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على التراث وتحقيق التنمية المستدامة.
من جانبه، قال الدكتور جلال عبادة، أستاذ التصميم العمراني، إن الحفاظ على التراث لا يقتصر على إنقاذ المباني التاريخية فقط، بل يمتد ليشمل الحفاظ على الحياة والأنشطة داخل النسيج العمراني، وهو ما تجسده بوضوح تجربة مشروع إحياء مدينة إسنا التاريخية.
وأضاف في تصريحات لـ“صدى البلد”، أن مشروع إسنا لم يتعامل مع المنطقة باعتبارها موقعًا أثريًا فقط، بل كمدينة حية تستدعي إعادة تنشيط الحركة التجارية وإشراك الأهالي في عملية التطوير، وهو ما جعل التجربة نموذجًا يُحتذى به في تطوير مناطق تاريخية أخرى مثل القاهرة والإسكندرية.
ولفت إلى أن نجاح مشروع إسنا اعتمد على كسر فكرة “المباني الجامدة” من خلال دعم أصحاب المحال والحرفيين وإعادة دمجهم في الدورة الاقتصادية للمنطقة، بما حافظ على استمرارية الحياة اليومية داخل النسيج العمراني بدلًا من تجميده.
وأكد عبادة أن التحدي الحقيقي الذي واجهه مشروع إسنا، والذي يظهر في أي تجربة مشابهة، لا يكمن في أعمال الترميم فقط، بل في ضمان استدامة الاستخدام بعد التطوير.

















0 تعليق